ليبيا: إفلات مستشرٍ من العقاب وانتهاكات مستمرة بعد 15 عامًا على الثورة ضد حكم القذافي

قالت منظمة العفو الدولية اليوم إنه بعد مرور 15 عامًا على ثورة الليبيين ضد الحكم القمعي لمعمر القذافي، لا يزال الإفلات الممنهج من العقاب يغذّي الجرائم التي يشملها القانون الدولي والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ترتكبها الميليشيات والجماعات المسلحة، في حين يظل تحقيق العدالة وجبر الضرر للناجين وأقارب الضحايا بعيدَيْ المنال.

وبدلًا من تقديم المشتبه في تورطهم في جرائم القتل والتعذيب والإخفاء القسري وغيرها من الجرائم المشمولة بالقانون الدولي وانتهاكات حقوق الإنسان إلى العدالة في محاكمات عادلة، قُتل بعضهم أو ما زالوا طلقاء. ويشمل ذلك فارّين من المحكمة الجنائية الدولية، رغم الخطوة المرحّب بها التي اتخذتها حكومة الوحدة الوطنية ومقرها طرابلس في مايو/أيار 2025 بقبول اختصاص المحكمة فيما يتعلق بالجرائم المزعومة المرتكبة في ليبيا خلال الفترة بين 2011 و2027.

وقال محمود شلبي، الباحث المعني بشؤون مصر وليبيا في منظمة العفو الدولية: “على مدى 15 عامًا، أخفقت السلطات الليبية المتعاقبة في تفكيك الشبكات التي تغذّي الانتهاكات المستمرة، لا بل وفّرت التمويل والشرعية لميليشيات سيئة السمعة ودمجت أعضاءها في مؤسسات الدولة من دون تدقيق مناسب. ومن خلال السماح للمشتبه في مسؤوليتهم عن جرائم مشمولة بالقانون الدولي بالإفلات من المساءلة، خانت السلطات الناجين ورسّخت دوامة من العنف وانعدام القانون لا تظهر أي بوادر لانتهائها”.

“يبقى قبول حكومة الوحدة الوطنية باختصاص المحكمة الجنائية الدولية فارغًا، ما لم يقترن بإجراءات ملموسة. ويؤكد مقتل سيف الإسلام القذافي في وقت سابق من هذا الشهر عجز النظام القضائي الليبي عن ضمان المساءلة وعدم رغبته في ذلك، ويُجرّد بشكل لا رجعة فيه الناجين وأقارب الضحايا من حقهم في معرفة الحقيقة والوصول إلى العدالة. وعلى السلطات الليبية أن تتعاون بشكل مجدٍ مع المحكمة الجنائية الدولية، وأن تسلّم الأفراد المطلوبين لارتكابهم جرائم يشملها القانون الدولي، وأن تضمن تقديم جميع المشتبه في مسؤوليتهم الجنائية إلى العدالة في محاكمات عادلة”.

منذ إحالة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لحالة ليبيا إلى المحكمة الجنائية الدولية في فبراير/شباط 2011، لم يُسلَّم إلى المحكمة سوى مشتبه واحد من أصل 14. ففي 1 ديسمبر/كانون الأول 2025، سلّمت السلطات الألمانية خالد محمد علي الهشري (المعروف أيضًا باسم “البوطي”)، وهو عضو بارز ومخضرم في ميليشيا جهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة (المعروفة أيضًا باسم الردع) ومقرها طرابلس، إلى المحكمة الجنائية الدولية. وكانت المحكمة قد أصدرت مذكرة توقيف بحقه بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، على خلفية حوادث في سجن معيتيقة في طرابلس الخاضع لسيطرة الجهاز.

وتواصل حكومة الوحدة الوطنية، وكذلك القوات المسلحة العربية الليبية، وهي السلطات المسيطرة على شرق وجنوب ليبيا بحكم الأمر الواقع، رفضهما اعتقال و/أو تسليم مواطنين ليبيين صدرت بحقهم مذكرات اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية و/أو جرائم حرب. ولا يزال ثمانية مواطنين ليبيين مطلوبين بموجب مذكرات اعتقال صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية طلقاء.

وفي 2 فبراير/شباط 2026، خاطبت منظمة العفو الدولية النائب العام الليبي للاستفسار عن مكان وجود شخصين اعتُقلا في ليبيا والإجراءات القانونية المتخذة بحقهما، إذ لا يزال وضعهما الحالي غير واضح وسط مخاوف من حمايتهما من المساءلة. وهذان الشخصان هما أسامة المصري نجيم، الرئيس السابق لإدارة العمليات والأمن القضائي وعضو بارز ومخضرم في ميليشيا الردع، وعبد الباري عياد رمضان الشقاقي، وهو عضو بارز في جماعة الكانيات المسلحة. وحتى وقت نشر هذا البيان، لم نتلقَّ أي رد.

القتل بدلًا من العدالة

شهدت ليبيا نمطًا من قتل الأفراد المشتبه في تورطهم في انتهاكات لحقوق الإنسان، ما يحرم الضحايا من الحقيقة والعدالة اللتين يستحقونهما.

ففي 3 فبراير/شباط 2026، قُتل سيف الإسلام القذافي في ظروف غير معروفة على يد مُعتدين مجهولين. وكان المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية قد وجّه إليه في 2011 تهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك القتل والاضطهاد. وفي 2017، حكمت محكمة ليبية عليه بالإعدام غيابيًا في محاكمة لم تستوفِ المعايير الدولية. وفي يوليو/تموز 2017، أعلنت جماعة مسلحة في مدينة الزنتان غرب البلاد، كانت تحتجزه منذ عام 2011، الإفراج عنه بموجب عفو.

وعلى السلطات الليبية أن تتعاون بشكل مجدٍ مع المحكمة الجنائية الدولية، وأن تسلّم الأفراد المطلوبين لارتكابهم جرائم يشملها القانون الدولي، وأن تضمن تقديم جميع المشتبه في مسؤوليتهم الجنائية إلى العدالة في محاكمات عادلة

محمود شلبي، منظمة العفو الدولية

ومن بين المشتبه بهم الآخرين المطلوبين من المحكمة الجنائية الدولية والذين قُتلوا في ظروف غامضة محمود الورفلي، القائد الميداني السابق لفرقة القوات الخاصة (الصاعقة) التابعة للقوات المسلحة العربية الليبية. ففي 2017، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحقه بتهمة ارتكاب جرائم حرب. وفي 2021، قُتل الورفلي بإطلاق نار في بنغازي، ثاني أكبر مدن ليبيا والخاضعة للقوات المسلحة العربية الليبية بحكم الأمر الواقع.

كما قُتل قائد ميليشيا آخر سيئ السمعة، عبد الغني الككلي، الملقب بـ “غنيوة”، في ظروف غامضة في طرابلس في 12 مايو/أيار 2025، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات مسلحة بين ميليشيات متنافسة في طرابلس. وكانت منظمة العفو الدولية قد وثّقت جرائم بموجب القانون الدولي وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ارتُكبت بحق ليبيين، فضلًا عن لاجئين وطالبي لجوء ومهاجرين، على يد ميليشيات كانت تحت قيادته، بما في ذلك ميليشيا قوات الأمن المركزي/أبو سليم وجهاز دعم الاستقرار. وتشمل الجرائم الموثقة الاحتجاز التعسفي والتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة والإخفاء لقسري والعنف الجنسي وعمليات القتل غير المشروع. وقد وثقت منظمة العفو الدولية اعتراض أفراد من جهاز دعم الاستقرار للاجئين ومهاجرين في عرض البحر وارتكابهم لأعمال عنف أدّت إلى هلاك أشخاص في البحر. 

التقاعس عن تسليم المشتبه بهم للمحكمة الجنائية الدولية

لا يزال نظام العدالة في ليبيا غير راغب في التحقيق بفعالية في الجرائم التي ارتكبتها ميليشيات وجماعات مسلحة نافذة، كما أنه عاجز عن ذلك. كما تشوب الإجراءات في ليبيا انتهاكات جسيمة لحقوق المحاكمة العادلة، بما في ذلك الحق في الدفاع الكافي، والحق في عدم تجريم النفس، والحماية من التعذيب، في ظل استمرار محاكمة مدنيين أمام محاكم عسكرية. وكان النائب العام نفسه قد وصف علنًا في أبريل/نيسان 2025 الهيئات المسؤولة عن متابعة القضايا وجمع الأدلة وحفظها بأنها “شبه غير فاعلة وغير قادرة” بسبب تورط جهات نافذة تابعة لأجهزة أمنية أو جماعات مسلحة.

ورغم ذلك، ترفض السلطات الليبية تسليم المطلوبين بموجب مذكرات اعتقال المحكمة الجنائية الدولية.  ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أمر النائب العام بحبس أسامة المصري نجيم على خلفية وقائع تعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية والمهينة لمحتجزين في سجن معيتيقة، وحالة وفاة في الحجز. ولا تتوافر معلومات علنية إضافية بشأن مكان احتجازه أو الإجراءات القانونية المتخذة بحقه، وسط مخاوف جدية بشأن ما إذا كان سيُقدَّم إلى العدالة، نظرًا للنفوذ المستمر الذي يمارسه جهاز الردع في طرابلس، والذي كان من أعضائه البارزين لفترة طويلة. وكانت السلطات الإيطالية قد أوقفته في يناير/كانون الثاني 2025 تنفيذًا لمذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، لكنها أعادته جوًا إلى ليبيا في الشهر ذاته.

وفي 13 يوليو/تموز 2025، نشرت وزارة العدل التابعة لحكومة الوحدة الوطنية بيانًا على صفحتها على فيسبوك، قبل أن تحذفه سريعًا، أعلنت فيه رفضها تسليم أسامة المصري نجيم إلى المحكمة الجنائية الدولية. وأضاف البيان أن “ليبيا لم توقّع نظام روما الأساسي ولا صادقت عليه. وبالتالي، لن يُسلَّم أي مواطن ليبي خارج نطاق الولاية القضائية للأراضي الليبية، ويتمتع القضاء الوطني بالاختصاص الكامل للنظر في مثل هذه القضايا”.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2024، أعلنت المحكمة الجنائية الدولية عن إصدار مذكرات اعتقال ضد ستة من القادة وكبار الأعضاء والمنتسبين إلى الجماعة المسلحة المعروفة باسم الكانيات في ليبيا، التي ارتكبت جرائم يشملها القانون الدولي خلال فترة سيطرتها المرعبة على مدينة ترهونة، بما في ذلك عمليات قتل جماعي غير مشروعة، وتعذيب، وإخفاء قسري، وتهجير قسري. وما زالوا طلقاء و/أو لم يتم تسليمهم إلى المحكمة بعد.

من بين هؤلاء الستة عبد الباري عياد رمضان الشقاقي، المحتجز منذ 2024 لدى جهاز الردع. وفي أغسطس/آب 2025، أعلن مكتب النائب العام أنه أمر بالحبس الاحتياطي لأحد أعضاء جماعة الكانيات، من دون الكشف عن اسمه، لكنه قدّم بيانات تطابق بيانات عبد الباري عياد رمضان الشقاقي. ولم توضح النيابة التهم الموجهة إليه، واكتفت بالقول إنه يخضع للتحقيق للاشتباه بتورطه في عملية اختطاف وقتل قبل 2020. ولم تُنشر أي معلومات بشأن ما إذا أُحيل إلى المحاكمة.

التقاعس عن التحقيق أو مقاضاة قادة ميليشيات

واصلت الحكومات الليبية المتعاقبة دمج أعضاء الميليشيات والجماعات المسلحة في مؤسسات الدولة من دون إخضاعهم لتدقيق لاستبعاد المشتبه في تورطهم بارتكاب جرائم يشملها القانون الدولي وانتهاكات جسيمة أخرى لحقوق الإنسان. وحتى في الحالات النادرة التي حُلّت فيها بعض الميليشيات أو أُقيل قادتها، لم تُباشَر تحقيقات جنائية بحقهم ولم يُخضع أعضاؤها لأي تدقيق.

في مايو/أيار 2025، حلّت حكومة الوحدة الوطنية إدارة العمليات والأمن القضائي، التي كان يرأسها أسامة المصري نجيم، ودمجت عناصرها في وزارة الداخلية من دون إجراء تدقيق فردي يستبعد ويحاسب المشتبه في تورطهم بجرائم يشملها القانون الدولي.

وفي الشهر ذاته، أقالت الحكومة لطفي الحراري، الرئيس السابق لجهاز الأمن الداخلي في طرابلس. وكانت منظمة العفو الدولية قد وثَّقت كيف أخضع عناصر الجهاز عشرات الرجال والنساء للاحتجاز التعسفي، والتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة، والإخفاء القسري. ولم تُجرَ أي تحقيقات جنائية بشأن مزاعم ارتكاب جرائم يشملها القانون الدولي داخل الجهاز خلال قيادته له.

وبموجب نظام روما الأساسي الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية، قد يكون القائد العسكري أو الشخص الذي يمارس فعليًا سلطة قائد عسكري مسؤولاً عن الجرائم التي ارتكبها مرؤوسوه إذا كان القائد على علم بالجرائم، أو كان يجب أن يكون على علم بها ولم يمنعها أو يعاقِب عليها.