- تتحمل النساء والفتيات وطأة انهيار نظام الرعاية الصحية والتهجير الجماعي
- تصف الكوادر الطبية ارتفاعًا هائلًا في المشكلات الصحية لدى الأمهات والأطفال حديثي الولادة
- تواجه نساء مصابات بالسرطان وبأمراض مهدِّدة للحياة تعطلًا أو انقطاعًا أو صعوبة في الوصول إلى العلاج والرعاية الصحية
- يفاقم الإغلاق المتكرر لمعبر رفح تقليص المساعدات الإغاثية المحدودة أصلًا ويعرقل عمليات الإجلاء الطبي
قالت منظمة العفو الدولية اليوم إن الأثر المدمّر والمتعدد الأبعاد للإبادة الجماعية التي تواصل إسرائيل ارتكابها خلال الـ29 شهرًا الماضية قد دفع بالنساء والفتيات الفلسطينيات في قطاع غزة إلى حافة الانهيار.
في ظل تعمّد إسرائيل فرض ظروف معيشية يُراد بها التدمير المادي للفلسطينيين في قطاع غزة، تواجه النساء الفلسطينيات تبعاتٍ مركبة ومهدِّدة للحياة تجلّت في التهجير القسري الجماعي المستمر، وانهيار منظومة الرعاية الصحية الإنجابية وصحة الأمهات وحديثي الولادة؛ وتعطل أو انقطاع علاج الأمراض المزمنة، بما فيها السرطان؛ وتزايد التعرّض للأمراض والعيش في ظروف غير آمنة ومهينة؛ فضلًا عمّا يلحق بهنّ من أذى جسدي ونفسي بالغ.
تُحرم النساء في قطاع غزة من الظروف اللازمة للحياة والإنجاب بأمان.
أنياس كالامار، منظمة العفو الدولية
وتتفاقم هذه الأضرار بفعل القيود التي تواصل إسرائيل فرضها على إدخال المواد الضرورية لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة، بما في ذلك الغذاء الكافي، والأدوية، والمعدات الطبية والأجهزة المساعِدة، ومواد الإيواء والمعدات اللازمة لتنقية المياه، وإزالة الأنقاض والذخائر غير المنفجرة والنفايات. وتستمر إسرائيل في فرض هذه القيود في وقت تشهد فيه عمليات الإجلاء الطبي تأخيرات مهدِّدة للحياة، وتعليق تسجيل المنظمات الإنسانية التي تقدم خدمات أساسية للنساء والفتيات.
وقد اضطرت النساء إلى الولادة دون رعاية طبية الكافية، وأُجبرن على تحمّل أعباء الحمل والتعافي بعد الولادة وهنّ في أماكن نزوح مكتظّة وغير صحية، بينما يكابدن الجوع والمرض والصدمات النفسية في ظل انعدامٍ شبه تام للخصوصية والحماية وإمكانية الوصول إلى الخدمات الأساسية، في وقت يتحملن فيه، معظم الأحيان، مسؤولية رعاية الآخرين أيضًا.
قالت أنياس كالامار، الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية: “في خضم التصعيد الحاد للتوترات في الشرق الأوسط عقب الهجمات الإسرائيلية الأمريكية على إيران، علينا ألا ننسى الإبادة الجماعية التي تواصل إسرائيل ارتكابها بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، ولا الثمن الباهظ الذي تدفعه النساء والفتيات. فبالنسبة للنساء الحوامل والمرضعات، وأمهات الرضع والأطفال الصغار، والنساء اللواتي يعشن مع أمراض مزمنة والنساء من ذوات الإعاقة أو اللواتي يتعافين من إصابات غيّرت مسار حياتهن، والأرامل والنساء الكثيرات اللواتي فقدن أحبّتهن، والنساء اللواتي هُجّرن مراتٍ عديدة، والنساء خلال فترات الحيض، والنساء اللواتي فقدن وظائفهن وفرصهن في التعليم، أصبحت الحياة صراعًا يوميًا من أجل البقاء وسط سلسلة لا تنتهي من الكوارث”.
“تُحرم النساء في قطاع غزة من الظروف اللازمة للحياة والإنجاب بأمان. إن التقويض الممنهج لحقوقهن في الصحة والأمان والكرامة والمستقبل ليس مجرّد أثر جانبي مؤسف للحرب؛ بل هو فعل حرب متعمّد يستهدف النساء والفتيات. كما أنه نتيجة متوقعة لسياسات إسرائيل وممارساتها المتعمدة المتمثلة في التهجير القسري الجماعي المتكرر، والقيود المفروضة عمدًا على المواد الأساسية والضرورية، وعلى المساعدات الإنسانية، فضلًا عن عامين من القصف المتواصل بلا هوادة، والذي دمّر النظام الصحي في قطاع غزة وقضى على عائلاتٍ بأكملها”.
وفي تقريرها الصادر في مارس/آذار 2025، خلُصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة بما في ذلك القدس الشرقية وإسرائيل، إلى أن السلطات الإسرائيلية دمّرت بصورة ممنهجة ومتعمدة منظومة الرعاية الصحية الجنسية والإنجابية في قطاع غزة، فيما يشكل فعلين محظورين بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها: تعمّد فرض ظروف معيشية يُراد بها التدمير المادي للفلسطينيين، وفرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال.
وخلال الفترة ما بين 5 و24 فبراير/شباط 2026، أجرت منظمة العفو الدولية مقابلات مع 41 امرأة، جميعهن مهجّرات قسريًا، من بينهن ثماني مريضات بالسرطان، وأربع نساء حوامل، و14 امرأة أنجبن بعد “وقف إطلاق النار” المزعوم. كما قابلت المنظمة 26 من العاملين في مجال الرعاية الصحية في ست منشآت رعاية صحية في مدينتي غزة ودير البلح، إضافة إلى أربعة موظفين يعملون في منظمات دولية.
تشهد الكارثة في قطاع غزة تشعّبًا وتعدّدًا في أبعادها، وتزداد تعقيدًا مع دمارٍ يتلوه دمار: تهجير قسري مستمر وغارات جوية لا تتوقف، ونظام صحي منهار يعاني نقصًا حادًا في الموارد، وانهيار تام للاقتصاد. وقد سجّلت وزارة الصحة في قطاع غزة مقتل 630 فلسطينيًا، من بينهم 202 طفلًا و89 امرأة و339 رجلًا، خلال الفترة الممتدة ما بين توقيع اتفاق “وقف إطلاق النار” المزعوم في أكتوبر/تشرين الأول 2025 حتى نهاية فبراير/شباط 2026، ليُضافوا لأكثر من 72,000 قُتلوا منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. وعلى الرغم من انحسار الخطر المباشر للمجاعة، لا يزال الجوع حادًا وسوء التغذية متفشيًا، ما ينذر بعواقب كارثية طويلة الأمد. ومع التدمير الواسع أو الأضرار الجسيمة التي لحقت بالمنازل في قطاع غزة ووقوع نحو 60% من مساحة القطاع شرق ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، الخاضع لسيطرة القوات الإسرائيلية وميليشيات محلية مدعومة من إسرائيل، لا يزال معظم الفلسطينيين في قطاع غزة مهجّرين، وقد فقدوا قدرتهم على الوصول إلى المناطق الزراعية المنتِجة للغذاء.
في 27 فبراير/شباط، جمّدت المحكمة العليا الإسرائيلية مؤقتًا تنفيذ قرار حكومي يقضي بتعليق عمليات 37 منظمة إغاثية دولية تعمل في الأرض الفلسطينية المحتلة بعد إلغاء تسجيلها. ومع ذلك، لا تزال القيود وحالة عدم اليقين بشأن وصول المساعدات قائمة، ما يُلحق آثارًا مدمّرة بالفلسطينيين، لا سيّما النساء في قطاع غزة.
وفي 28 فبراير/شباط، أغلقت إسرائيل جميع المعابر الثلاثة العاملة المؤدية إلى قطاع غزة بعد هجوم مشترك شنّته مع الولايات المتحدة الأمريكية على إيران. وقد أدّى هذا الإغلاق إلى وقف التدفق المحدود أصلًا للمساعدات الإنسانية والمواد التجارية، فضلًا عن تعطيل عمليات الإجلاء الطبي إلى خارج قطاع غزة. وفي 3 مارس/آذار، أعادت إسرائيل فتح معبر كرم أبو سالم للسماح “بالدخول التدريجي للمساعدات الإنسانية”. أمّا معبر رفح الحدودي مع مصر، والذي أعيد فتحه جزئيًا مطلع فبراير/شباط، فلا يزال مغلقًا. ويأتي ذلك في وقتٍ تواصل فيه إسرائيل عملياتها العسكرية في جميع أنحاء قطاع غزة منذ توقيع اتفاق “وقف إطلاق النار”، حيث تواصل القصف وعمليات الهدم الممنهج والغارات الجوية، لتتسبب بمزيد من المعاناة للمدنيين وتلحق المزيد من الدمار بالبنى التحتية المدنية.
انهيار خدمات صحة الأمهات والأطفال حديثي الولادة
طوال الإبادة الجماعية، تعذّر على النساء بشدة الوصول إلى الرعاية الصحية الجنسية والإنجابية بسبب القصف الإسرائيلي والتهجير القسري وتدمير خدمات الصحة الإنجابية وصحة الأمهات، والقيود المفروضة على دخول المساعدات الحيوية ومستلزمات النظافة، في ظل انهيار منظومة المياه والصرف الصحي في قطاع غزة.
وبحسب منظمة الصحة العالمية ومجموعة الصحة، فإن ما يقارب من 60% من نقاط تقديم الخدمات الصحية باتت خارج الخدمة، الأمر الذي يفرض ضغطًا هائلًا على العدد القليل الذي لا يزال يعمل منها، وعلى العدد الأقل الذي يقدم خدمات التوليد الطارئة.
وحتى بعد “وقف إطلاق النار” وتحسّن تدفّق المساعدات، فوفقًا لأحدث تقارير وزارة الصحة، لا يزال نحو 46% من الأدوية الأساسية غير متوفر على الإطلاق، بما في ذلك أدوية تحفيز المخاض وإدارته، وعلاج نزيف ما بعد الولادة، وأدوية التخدير وتسكين الألم، وأدوية علاج العدوى وأمراض الجهاز التنفسي. ومنذ “وقف إطلاق النار”، وزّع صندوق الأمم المتحدة للسكان وشركاؤه كميات كبيرة من أدوية ومستلزمات الصحة الإنجابية وصحة الأمهات. إلا أن الاحتياجات ما تزال هائلة ولم يُلبّ منها سوى جزء محدود. وتشير أحدث تقديرات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، إلى أن 37,000 امرأة حامل ومرضعة سيواجهن أيضًا سوء تغذية حاد يستوجب العلاج قبل منتصف أكتوبر/تشرين الأول 2026.
وقال العاملون الطبيون الذين قابلتهم منظمة العفو الدولية إن النساء اللواتي أنجبن حتى بعد “وقف إطلاق النار” عانين نقصًا حادًا في الغذاء والأدوية والمكملات الغذائية خلال معظم فترة حملهن وبعد الولادة. وأضافوا أن معظم النساء اللواتي يصلن إلى المستشفيات للولادة يعانين من فقر الدم بسبب سوء التغذية، إضافة إلى أمراض منقولة بالمياه، والتهابات مهبلية وأشكال أخرى من العدوى المرتبطة بتلوث المياه وسوء الظروف الصحية. كما أوضحوا أنهم غالبًا ما يعجزون عن إجراء الفحوصات الطبية اللازمة للنساء بسبب نقص المعدات، وأنهم اضطروا في بعض الحالات إلى استخدام مواد تخدير منتهية الصلاحية.
وبحسب الكوادر الطبية ممن أجريت معهم مقابلات، فقد أدّت الإبادة الجماعية المستمرة التي ترتكبها إسرائيل خلال الأشهر الـ29 الماضية إلى ارتفاع هائل في المشكلات الصحية لدى الأمهات والأطفال حديثي الولادة. وتشمل هذه المشكلات الصحية الولادات المبكرة، وانخفاض وزن المواليد، وفقدان الوزن وسوء التغذية لدى الحوامل والمرضعات، والقلق قبل الولادة واكتئاب ما بعد الولادة، فضلًا عن أمراض الجهاز التنفسي لدى الحوامل نتيجة التعرض للبرد والتلوث المرتفع. كما يعاني حديثو الولادة من أمراض تنفسية ناجمة عن الولادة المبكرة وعدم اكتمال نمو الرئتين، وسوء أوضاع الأمهات أثناء الحمل والظروف المعيشية المتردية بعد الولادة، لا سيّما في الطقس البارد.
وقال الدكتور ناصر بلبل، طبيب حديثي الولادة في قسم التوليد بمستشفى الحلو الدولي، إن عدد حالات الحمل عالية الخطورة التي يستقبلها القسم ارتفع بشكلٍ ملحوظ نتيجة تدهور مناعة الأمهات بسبب سوء التغذية: “أدّت ظروف النزوح إلى انتشار الأمراض المعدية، ومعظم النساء اللواتي يصلن إلى هنا يكنّ تحت وطأة ضغط نفسي شديد، ويعانين صدمات نفسية عميقة وحالة مستمرة من عدم اليقين، بعد أن تعرّضن للتهجير القسري مرارًا، وفقدن أحبّاءهن، وحُرمن من الحصول على الأطعمة المغذّية التي يحتجنها”.
يضم المستشفى 12 حاضنة للأطفال الخدّج، من بينها ست حاضنات مخصصة للعناية المركزة، غير أن جميعها غير مزوّد بأجهزة مراقبة القلب والجهاز التنفسي اللازمة.
تواجه وحدات العناية بحديثي الولادة في أنحاء قطاع غزة تحديّات مشابهة. فعلى سبيل المثال، في مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، الذي يضم 24 حاضنة عاملة، أفادت رئيسة قسم التمريض في وحدة العناية المركزة لحديثي الولادة لمنظمة العفو الدولية أنهم اضطروا إلى إعادة استخدام مستلزمات طبية مخصّصة للاستخدام الواحد، مثل الأنابيب المستخدمة مع أجهزة التنفس الاصطناعي.
ووفقًا لصندوق الأمم المتحدة للسكان، تعمل وحدات رعاية حديثي الولادة في قطاع غزة بنسبة تتراوح بين 150 و170% من طاقتها الاستيعابية، حيث يتشارك أحيانًا ثلاثة أطفال حديثي الولادة في حاضنة واحدة.
ستترتب على عرقلة عمل المنظمات الإغاثية الدولية أو احتمال تعليق نشاطها آثارٌ مدمّرة على الرعاية الصحية الإنجابية ورعاية حديثي الولادة. فعلى سبيل المثال، قدّمت منظمة أطباء بلا حدود، وهي إحدى المنظمات الإنسانية المتأثرة بقرار تعليق العمليات الإغاثية في قطاع غزة، خدمات متابعة حيوية قبل الولادة وبعدها في العيادات الخارجية، كما دعمت خدمات الولادة ورعاية حديثي الولادة في المستشفيات لعشرات الآلاف من النساء والأطفال الرضع منذ بداية الإبادة الجماعية، كذلك وفّرت دعمًا غذائيًا لعدد كبير من النساء اللواتي يعانين من سوء التغذية، وقدّمت العلاج والدعم لضحايا العنف القائم على أساس النوع الاجتماعي. أما جمعية العون الطبي للفلسطينيين، فتدير خدمات رعاية حديثي الولادة، ووحدات العناية المركزة لحديثي الولادة، إضافة إلى تقديم العلاج والمتابعة في مجالي الصحة الإنجابية والتوليد في مستشفيين في مدينة غزة، هما مجمع الصحابة الطبي ومستشفى أصدقاء المريض الخيري، وكذلك في مستشفى ناصر في مدينة خان يونس. كما تقدّم الجمعية الاستشارات والدعم لضحايا العنف القائم على أساس النوع الاجتماعي. لن يكون بمقدور نظام صحي منهار أصلًا استيعاب الخدمات الحيوية التي تقدّمها المنظمات الإغاثية، ومن المرجّح أن تدفع عشرات الآلاف من النساء ثمن ذلك، إذ ستتدهور استمرارية الرعاية الصحية التي يتلقينها وجودتها على نحو أكبر.
تحطم أحلام الأمومة الآمنة والكريمة
تحدثت منظمة العفو الدولية مع نساء حوامل ومرضعات يعشن في أماكن نزوح في مدينة غزة، ومنطقة المواصي، ومدينة دير البلح ومخيم النصيرات. على الرغم من التحسّن المحدود الذي طرأ منذ يناير/كانون الثاني 2026 على إمكانية الوصول إلى الغذاء ومنتجات النظافة والنظافة الشخصية –بما في ذلك الفوط الصحية والشامبو والصابون– فإن كثيرًا من النساء ما زلن غير قادرات على تحمّل تكلفتها. كما يعانين أيضًا من محدودية الوصول إلى مياه الشرب النظيفة أو مياه الاستخدام المنزلي.
أفادت معظم الأمهات الجدد اللواتي قابلتهن منظمة العفو الدولية أنهن كن يسعين بشدة للحصول على عن مكملات غذائية أثناء الحمل، لكنهن واجهن صعوبة كبيرة في العثور عليها. وعانت الكثيرات منهن فقدانًا ملحوظًا في الوزن، فيما شُخّصت بعضهن بسوء التغذية أو فقر الدم أو كليهما.
هند*، 22 عامًا، من مخيم جباليا للاجئين الذي دُمّر بمعظمه، وهي نازحة حاليًا في المواصي، أنجبت طفلها في 19 يناير/كانون الثاني 2026. وقالت لمنظمة العفو الدولية: “فقدت الكثير من وزني، كان وزني 43 كيلوغرامًا فقط وأخبروني في المستشفى الميداني حيث أنجبت أنني أعاني من سوء التغذية. وُلد طفلي بعدوى رئوية أصابت كلتا رئتيه؛ وقد أمضى أيامًا عديدة في وحدة العناية المركزة، تحسّن قليلًا الآن ولكنه لا يستطيع التنفس جيدًا بمفرده وما يزال في الحاضنة. أخشى أن تسوء حالته الصحية، فأنا أعيش في خيمة قرب البحر، والبرد شديد، وما من وسيلة للتدفئة. لدي أيضًا طفل آخر عمره 18 شهرًا، وهو مريض بسبب البرد”.
مريم*، 22 عامًا أيضًا، وهي نازحة في دير البلح، أم جديدة تعاني نقصًا في الوزن شُخّصت بسوء التغذية وفقر الدم وقد أنجبت طفلها الأول قبل أوانه في ديسمبر/كانون الأول 2025. ثديها لا يدرّ ما يكفي من الحليب لترضع طفلها، وتعاني الآن لتأمين حليب أطفال صناعي والحفاظ على دفء رضيعها في خيمة تفتقر إلى أي وسيلة تدفئة.
أخشى أن تسوء حالته الصحية، فأنا أعيش في خيمة قرب البحر، والبرد شديد، وما من وسيلة للتدفئة. لدي أيضًا طفل آخر عمره 18 شهرًا، وهو مريض بسبب البرد.
هند*، 22 عامًا، من مخيم جباليا للاجئين، نازحة حاليًا في المواصي
وقالت جميع النساء الحوامل اللواتي قابلتهن منظمة العفو الدولية إنهن لم يتلقين سوى رعاية متقطعة قبل الولادة، وإن كثيرات منهن لم يتمكنّ من حماية أنفسهن أو مواليدهن من موجات البرد القارس والعواصف المطرية خلال أشهر الشتاء الأخيرة. وقالت معظم النساء إنهن تعرّضن أثناء الحمل لمستوياتٍ مرتفعة من التلوث، ولا سيما الدخان السّام الناتج عن حرق البلاستيك وغيره من المواد لعدم توفر وقود للطهي أو لتدفئة المياه للاستحمام. وفي المراحل الأخيرة من الحمل وبعد الولادة واجهن صعوبة بالغة في التأقلم مع استخدام المراحيض البدائية المكتظة وغير الصحية في مخيمات النزوح حيث يعِشن.
قالت ممرضة مُدرّبة تبلغ من العمر 24 عامًا، وهي حامل في شهرها الثامن، لمنظمة العفو الدولية إنها رغم معاناتها من فقر الدم، لم تستطع الحصول على محلول الحديد الوريدي الذي تحتاجه، ولا تستطيع الحصول على أطعمة غنية بالحديد أو الفيتامينات الأخرى خلال فترة حملها. وأضافت أن طفلها الرضيع توفي في منتصف عام 2024 نتيجة عدوى بعد أن حُرم العلاج الطبي الكافي، وأن زوجها قُتل في هجوم بالقرب من منزلهما قبل وقتٍ قصير من معرفتها بحملها الحالي. كما وصفت بؤس العيش في خيمة كامرأة حامل، حيث تمرض باستمرار بسبب البرد وتعاني للوصول لدورات المياه. كما أعربت عن قلقها بشأن قدرتها على الحفاظ على سلامة الطفل من الفيروسات في خيمتها المليئة بالرمال والحشرات، وعن حيرتها بشأن توفير الحفاضات وملابس الأطفال والفوط الصحية لنفسها بعد الولادة.
كما وصفت ميسون أبو بريك، وهي قابلة أولى في مستشفى العودة، العبء العاطفي الثقيل الذي يُلقى على كاهل الأمهات الجدد:
“أسوأ ما في الأمر هو أن تضطري لمساعدة أمٍّ فقدت زوجها أو عائلتها. لا شيء مما تقولينه أو تفعلينه يمكن أن يدعمها. فهي مطالَبة بتدبير شؤون حياتها، وبمنح طفلها الدعم العاطفي، في وقت تكون هي نفسها في أمسّ الحاجة إلى هذا الدعم، وغالبًا من دون بيت حقيقي تستطيع العودة إليه”.
تعطّل علاج السرطان وعمليات الإجلاء الطبي
تواصل السلطات الإسرائيلية إحكام السيطرة على عمليات الإجلاء الطبي وعرقلتها بشكلٍ بالغ، رغم أن أكثر من 18,500 فلسطيني في قطاع غزة بحاجة للعلاج العاجل غير المتاح داخل القطاع، وذلك بسبب التدمير الإسرائيلي لنظام الرعاية الصحية هناك. ومنذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، حُظرت عمليات الإجلاء الطبي إلى الضفة الغربية بما في ذلك القدس الشرقية بشكلٍ شبه كامل.
ومنذ الفتح الجزئي لمعبر رفح في 2 فبراير/شباط 2026، دعمت الأمم المتحدة وشركاؤها عمليات الإجلاء الطبي لـ289 فلسطينيًا برفقة أفراد من عائلاتهم عبر معبرَي رفح وكرم أبو سالم. وبينما يمكن أن تؤدي مجموعة متشابكة من العوامل البيروقراطية والإجرائية إلى إبطاء عملية الإجلاء الطبي، يبقى السبب الرئيسي لعرقلة سير هذه العملية هو القيود المشددة والتأخيرات التي تفرضها السلطات الإسرائيلية، بما في ذلك إجراءات الموافقة التعسفية والضبابية والمطوّلة، الأمر الذي أسفر عن وفيات كان من الممكن تفاديها وتسبّب في معاناة هائلة. وقد توقفت هذه العملية بالكامل منذ بداية الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المشترك على إيران.
وتعدّ النساء المريضات بالسرطان من بين الفئات الأكثر تضررًا من عرقلة عمليات الإجلاء الطبي. فقد أفادت النساء الثماني المصابات بالسرطان اللواتي قابلتهن منظمة العفو الدولية بأن علاجهن تأثّر بسبب نقص المستلزمات الطبية، بما في ذلك أدوية العلاج الكيميائي. وخلال فترات القصف العنيف، اضطرت المستشفيات إلى منح الأولوية للإصابات البالغة العاجلة على حساب علاجهن.
شُخّصتُ بسرطان الثدي العام الماضي، ومنذ ذلك الحين نزحتُ أربع مرات. كنت بالكاد أستطيع الحركة، ومع ذلك كان عليّ أن أحمل أطفالي أيضًا. إن مزيج المرض والنزوح يقتلك.
إيمان*، إمرأة تتلقى علاج السرطان في مستشفى الحلو الدولي في مدينة غزة
وقال ممرض لمنظمة العفو الدولية: “لا يوجد حاليًا في قطاع غزة أي مستشفى يوفّر العلاج الإشعاعي. كما نعاني نقصًا حادًا في معدات التشخيص. ولا توجد في قطاع غزة بأكمله آلة تصوير بالرنين المغناطيسي صالحة للعمل. ويعني غياب أدوات التشخيص المسبق أننا نضطر أحيانًا إلى التخمين، وهو ما يعرّض حياة المرضى للخطر ويحدّ من فعالية العلاج”.
في موجز الاستجابة الإنسانية، أكّد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن السلطات الإسرائيلية صنّفت بعض المعدات المخبرية والمواد اللازمة للتشخيص والتصوير على أنها “مزدوجة الاستخدام”، وحظرت دخولها.
كما أفادت عاملة في المجال الإنساني من إحدى المنظمات الـ37 التي أُلغي تسجيلها لمنظمة العفو الدولية في أواخر فبراير/شباط 2026 بأنهم اضطروا لرفض استقبال أكثر من 1000 مريض مصاب بأمراض غير معدية، مثل السرطان، حيث لم يُسمح لهم بإدخال أي مستلزمات طبية إلى قطاع غزة منذ بداية العام.
قالت إيمان*، التي تتلقى علاج السرطان في مستشفى الحلو الدولي في مدينة غزة، إن جلسات العلاج الكيميائي الخاصة بها تأجّلت مرتين بسبب عدم توفر الأدوية اللازمة: “عندما يحالفني الحظ وأحصل على جلسة العلاج الكيميائي، أبقى هنا يومًا أو يومين لأتعافى، ثم أعود إلى خيمتي حيث أشرب مياهًا غير نظيفة وأستحم بمياه غير نظيفة، والأسوأ أنني لا أستطيع النوم أو الراحة. شُخّصتُ بسرطان الثدي العام الماضي، ومنذ ذلك الحين نزحتُ أربع مرات. كنت بالكاد أستطيع الحركة، ومع ذلك كان عليّ أن أحمل أطفالي أيضًا. إن مزيج المرض والنزوح يقتلك. اسمي مدرج على قائمة الإجلاء الطبي، وكل ما أفعله الآن هو الانتظار”.
نسرين*، 49 عامًا وأم لسبعة أطفال، شُخصت بورم في الفص الجبهي من الدماغ، ووصفت لمنظمة العفو الدولية كيف تزامن تشخيصها بالسرطان مع مقتل والدتها وإخوتها في غارة إسرائيلية، وتدمير منزلها في الشجاعية: “غرقتُ في اكتئابٍ شديد. النزوح المتكرر لا يترك فيك شيئًا إلا استنزفه. وأقسى ما في الأمر أننا نُجبَر في كل مرة على البدء من الصفر. ويكون ذلك أصعب علينا لأننا منهكون بدنيًا أصلًا”.
أُجبر هاني عياش، المدير السابق للعيادات الخارجية في مستشفى الصداقة التركي الفلسطيني في مدينة غزة، وقد كان المنشأة الوحيدة المتخصصة لعلاج السرطان في قطاع غزة بأكمله، على مغادرة المستشفى في أكتوبر/تشرين الأول 2023 عقب قصف عنيف. استخدم الجيش الإسرائيلي المستشفى كقاعدة عسكرية وفجّر بعض مرافقه ومنشآته في مارس/آذار 2025.
قال هاني عياش: “مثّلت خسارة مستشفى الصداقة ضربة موجعة، فقد كان أكثر مراكز علاج السرطان تقدمًا في قطاع غزة، ولم نتمكّن حتى من استعادة أي من معدّاته”.
يجب على السلطات الإسرائيلية رفع القيود غير المشروعة والتعسفية التي تفرضها على دخول المساعدات الإنسانية، بما في ذلك الأدوية والمعدات الطبية، والمواد والخدمات اللازمة، وأن تكفّ عن عرقلة عمليات الإجلاء الطبي. ويتعيّن عليها تأمين مسارات إجلاء فعالة وموثوقة إلى سائر أجزاء الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وإلى إسرائيل. ويجب على الحكومة الإسرائيلية رفع القيود المفروضة على عمليات الإجلاء الطبي إلى خارج الأرض الفلسطينية المحتلة، مع كفالة حق المرضى في العودة بعد استكمال علاجهم إذا رغبوا في ذلك. وعليها السماح بالدخول الفوري لمعدات التصوير التشخيصي والمعدات والأدوات المخبرية، لا سيما اللازمة للكشف المبكر عن السرطان وتشخيص غيره من الأمراض.
قالت أنياس كالامار: “نساء غزة هنّ من يشددن نسيج العائلات والمجتمعات في مواجهة ظروف صُممت لكسرهن. فهنّ المعلمات اللواتي يقدّمن التعليم للأطفال في الخيام، والطبيبات والممرضات اللواتي يعملن في المستشفيات الميدانية وغالبًا دون أجر، ومقدمات الرعاية اللواتي يكافحن بلا كلل لإبقاء جذوة الأمل حيّة وسط الإبادة الجماعية. تستحق شجاعتهن أسمى درجات الاحترام، وتشكل مصدر إلهام للإنسانية جمعاء”.
“تسببت هذه الكارثة المُدبّرة، والتي شهدناها جميعًا على شاشاتنا، بمعاناة هائلة. لقد تأخر تحركنا ودعمنا كثيرًا. يجب أن نقف بحزم إلى جانب النساء والفتيات الفلسطينيات في قطاع غزة، وأن نطالب الدول مجددًا باتخاذ إجراءات حقيقية لإنهاء الإبادة الجماعية والاحتلال غير المشروع، وضمان تمتع النساء والفتيات بحقوقهن الأساسية وتأمين مستقبل يعيش فيه جميع الفلسطينيين بكرامة”.
يتعيّن على الدول اتخاذ إجراءات عملية لممارسة ضغط دبلوماسي واقتصادي على إسرائيل لوقف هجماتها المتواصلة، ورفع حصارها غير المشروع بالكامل، والسماح للمنظمات الإنسانية بالعمل بحرية وأمان. وعلى هذه الدول ضمان إتاحة الوصول إلى خدمات الصحة الإنجابية وصحة الأمهات الأساسية، وتعزيز الدعم والتمويل للخدمات التي تحمي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للنساء، ودعم المنظمات التي تقودها النساء في قطاع غزة.
*استُخدمت أسماء مستعارة لبعض النساء بناءً على طلبهنّ*


