في العاصمة تونس، كانت الساعة تشير إلى الثامنة والنصف صباحًا. كنا أمام المحكمة التي ستنظر في قضية سهام بن سدرين، الصحفية والمدافعة التونسية عن حقوق الإنسان. كانت أشعة الشمس تضرب أرضية المحكمة، والناس يتدافعون في حركة صباحية متوترة، فيما يقف أعوان الأمن تحت حرارة بدأت منذ وقت مبكر في التصاعد. تقدّمنا، قدّمنا وثائق التكليف بالمهمة الصادرة عن منظمة العفو الدولية، وجوازات سفرنا، ثم بدأ الانتظار.
ليس من المعتاد بالنسبة إلى فرع منظمة العفو الدولية في بلجيكا الناطقة بالفرنسية إيفاد ممثلين/ات لمراقبة محاكمات مدافعين ومدافعات عن حقوق الإنسان خارج البلاد. غير أن مراقبة المحاكمات ممارسة حقوقية معروفة، تلجأ إليها المنظمات غير الحكومية، وغالبًا ما تُكلّف بها محامين/ات أو حقوقيين/ات، من أجل تقييم مدى احترام المحاكمات للمعايير الدولية للمحاكمة العادلة.
في ذلك اليوم، حضرتُ لمراقبة محاكمة سهام بن سدرين، الرئيسة السابقة لهيئة الحقيقة والكرامة في تونس. وقد أُنشئت هذه الهيئة بعد سقوط نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، لتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة بين جويلية 1955 وديسمبر 2013 بما في ذلك التعذيب، والاختفاء القسري، والقمع السياسي. وكانت سهام بن سدرين من أبرز وجوه هذا المسار، شخصية محورية ومثيرة للجدل أحيانًا، لكنها ظلت مدافعة شرسة عن العدالة الانتقالية. سلّمت الهيئة تقريرها النهائي إلى السلطات في ديسمبر 2018، ثم جُعل التقرير علنيًا في مارس 2019، قبل نشره لاحقًا في الرائد الرسمي، بعد مسار طويل ومرهق، وتحت ضغوط متواصلة.
اليوم، تمثل سهام بن سدرين أمام القضاء بتهم تتعلق بالفساد. وتُتهم، بحسب ما يرد في الملف، بتزوير التقرير الختامي نفسه مقابل رشوة. وهي اتهامات يعتبرها كثيرون مفبركة، ومحاولة لتشويه مسار العدالة الانتقالية بأثر رجعي، ولإسكات صوت ظل مزعجًا للسلطة. وقد أُوقفت سهام بن سدرين لأول مرة في أوت 2024. وأطلقت منظمة العفو الدولية حينها تحركًا عاجلًا بشأن قضيتها، ولم يُفرج عنها إلا في فيفري 2025، بعد ستة أشهر من الاحتجاز التعسفي.
منذ سنة 2021، تشهد تونس تدهورًا خطيرًا في أوضاع حقوق الإنسان وسيادة القانون، في ظل تركيز السلطات بين يدي الرئيس قيس سعيّد، وحلّ البرلمان، واعتماد دستور سنة 2022 الذي أضعف استقلالية القضاء، إضافة إلى مرسوم قانون يتيح للرئيس عزل القضاة ووكلاء الجمهورية. وفي هذا السياق، تتزايد الملاحقات القضائية ضد المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان، والصحفيين/ات، والمعارضين/ات. وليست سهام بن سدرين حالة معزولة، بل أصبحت رمزًا لهذا المنحى المقلق.
جاء الرفض الأول سريعًا. قيل لنا إن وثائق التكليف غير صحيحة. تحدّث زملاؤنا من فرع منظمة العفو الدولية في تونس مع عون الأمن. غادر ثم عاد. لكن الجواب ظل كما هو: وثائق التكليف غير قانونية. وهو أمر يثير الاستغراب، بما أن الجلسة علنية، وبما أن الحق في حضور المحاكمات العلنية مكرّس في المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي صادقت عليه تونس.
غادر عون الأمن مرة أخرى. حاول محامي الدفاع الذي كان برفقتنا التدخل بدوره، فجاء رفض جديد. هذه المرة قيل لنا إن حضورنا لم يتم تنسيقه مع وزيرة العدل، ليلى جفّال، التي قيل إنها ترفض حضور منظمة العفو الدولية للمحاكمة. لأي أسباب؟ لم نحصل على أي جواب.
مرّت ساعة. ثم ظهر بصيص أمل: ربما يُسمح للمحامين، ببطاقاتهم المهنية، بالدخول. أما ممثلو وممثلات منظمة العفو الدولية، فلا. مرّت الساعات. بدأت الجلسات، لكن جلسة سهام بن سدرين لم تبدأ بعد. في الداخل، كانت الحرارة تتصاعد. وفي الخارج أيضًا.
انعقدت الجلسة في نطاق محدود. تم اختيار من يُسمح له بمشاهدة العدالة وهي تُمارَس. وتم اختيار من يُعتبر جزءًا من “العموم”. غير أن علنية المحاكمة، وفق القانون الدولي، ليست تفصيلًا إجرائيًا، بل ضمانة أساسية من ضمانات المحاكمة العادلة. فالمحاكمة العادلة هي التي تضمن عدالة مستقلة ومحايدة، وحين لا تكون هذه الضمانات متوفرة، يصبح تقليص عدد الشهود على ما يجري داخل قاعة المحكمة مصلحة واضحة للسلطات.
وهنا تحديدًا يبرز دور المراقبين والمراقبات الخارجيين/ات. فهم يحضرون الجلسات لتقييم مدى احترام حقوق الدفاع، وقرينة البراءة، واستقلالية المحكمة وحيادها. لكن دورهم لا يقتصر على إعداد التقارير. فوجودهم يذكّر الفاعلين داخل المنظومة القضائية بأن ما يجري يخضع لنظر خارجي، ويجسد اهتمام المجتمع الدولي بأن تكون العدالة منصفة، وأن تُمارَس في العلن.
منعنا من الدخول كان رسالة قوية: ما يجري داخل القاعة لا يُراد له أن يُرى.
في ذلك اليوم، كان من المقرر النظر في قضيتين. تتعلق الأولى بسهام بن سدرين بصفتها الرئيسة السابقة لهيئة الحقيقة والكرامة، وبالمحامي والرئيس السابق للجنة التحكيم والمصالحة بالهيئة خالد الكريشي، وبـرجل الأعمال سليم شيبوب. وتتمحور القضية حول شبهات إخلالات في عمل الهيئة، ولا سيما الإجراءات والقرارات التي أدت إلى إبرام اتفاق صلح تحكيمي مع سليم شيبوب.
أما القضية الثانية، التي كان من المتوقع أن تمتد جلسة الاستماع فيها إلى وقت متأخر من المساء، فتتعلق باتهامات بـ“التزوير” و“استغلال الصفة”. وقد جاءت على إثر شكاية مرتبطة بالتزوير المزعوم للفصل المخصص للفساد في القطاع البنكي ضمن التقرير الختامي لهيئة الحقيقة والكرامة.
إن منع المجتمع المدني من حضور هذه الجلسات ليس مجرد إجراء شكلي. بل يعكس إرادة واضحة لعرقلة عمل المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان، وخنق مسار العدالة الانتقالية الذي جسّدته سهام بن سدرين لسنوات.
إن منع منظمة العفو الدولية من حضور جلسة علنية لا يمكن فهمه إلا كاختيار متعمّد للتعتيم. فهو يكشف، ضمنيًا، عن خشية من وجود مراقبة خارجية مستقلة قد تفضح ما يجري داخل قاعة المحكمة.
يتمثّل دور الحقوقيين والحقوقيات المكلّفين من قبل منظمة العفو الدولية في رصد مدى احترام ضمانات المحاكمة العادلة، وتوثيق ما إذا كانت هذه الضمانات متوفرة أو منتهكة. ولهذا الغرض وُجد مراقبو ومراقبات المحاكمات: للتأكد من أن العدالة لا تُمارَس فحسب، بل تُمارَس في العلن وتحت رقابة مستقلة. في ذلك اليوم، مُنعنا من أداء هذا الدور.
ربما لأن ما جرى لم يكن عدالة.
في اليوم التالي، علمنا بصدور حكم ضد سهام بن سدرين يقضي بسجنها 25 سنة. مثل هذه الأخبار مرهقة. قد تدفع إلى الإحباط، بل وإلى التساؤل عن جدوى ما نقوم به.
لكن في هذه اللحظات بالذات، يصبح التوثيق والشهادة أكثر ضرورة. فمع تصاعد السلطوية والتآكل التدريجي لسيادة القانون، لا يمكن غضّ الطرف. فالضمانات الأساسية لا تختفي دفعة واحدة، بل تتآكل بصمت، شيئًا فشيئًا، حين لا يكون هناك من يراقب.
قضية سهام بن سدرين ليست قضية معزولة. إنها إنذار واضح: إذا لم تتم مساءلة هذه الملاحقات والطعن فيها، فإن مسار العدالة الانتقالية برمّته، ومعه حقوق الضحايا الذين كان يفترض أن يحميهم، قد ينهار في صمت ولامبالاة.
سنكون حاضرين/ات. سنواصل التوثيق، والشهادة، وممارسة الضغط الدولي. لأن العدالة لا يمكن أن تُصنع في الصمت، ولن نسمح لها بأن تختفي في النسيان.
م. ل.، 26 جوان 2026


