قالت منظمة العفو الدولية اليوم إنه بعد مرور اثنين وعشرين عامًا على التزام الحكومة بإنشاء منظومة وطنية من مراكز الإيواء لحماية النساء من العنف في الجزائر، لم يُفتتح رسميًا سوى ثلاثة مراكز إيواء، ما يترك الناجيات في مختلف أنحاء البلاد دون إمكانية كافية للوصول إلى الحماية، وسط مخاوف بشأن معايير قبول إقصائية وقيود لا مبرر لها على حرية التنقل لمن يبحثن عن الأمان.
ويدعو المرسوم التنفيذي رقم 04-182، الصادر في جوان/حزيران 2004، إلى إنشاء مراكز إيواء وطنية لتوفير سكن مؤقت ورعاية طبية واجتماعية ونفسية للنساء اللواتي يتعرضن للعنف، كما يدعو إلى تزويد الناجيات بالمساعدة القانونية.
غير أنه لم تُنشأ حتى الآن سوى ثلاثة مراكز إيواء، وهي في تيبازة وعنّابة ومستغانم، وجميعها في شمال الجزائر. وهو عدد يقل كثيرًا عن احتياجات ولايات البلاد التسع والستين، التي يقطنها أكثر من 48 مليون شخص. وتوصي المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بإنشاء مركز واحد لكل 10,000 نسمة. ومع ذلك، فإن المراكز الثلاثة القائمة مجتمعة لا تتسع إلا لنحو 220 ناجية، وفقًا لمقابلات أجريت مع ممثلات عن جمعيات حقوق المرأة.
وقالت ديانا الطحاوي، نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا: “بعد أكثر من عقدين على التزام السلطات الجزائرية بالتصدي لآفة العنف ضد النساء والفتيات، لا يزال الوصول إلى مراكز الإيواء غير كافٍ على الإطلاق وغير متكافئ. وتضطر النساء في المناطق الداخلية والجنوب إلى قطع مسافات شاسعة للوصول إلى مركز إيواء، وهو عائق يصعب تجاوزه في بلد يمتد لأكثر من 2,000 كيلومتر من الشمال إلى الجنوب”.
ولم تردّ وزارة التضامن الوطني والأسرة وقضايا المرأة على طلب تقدمت به منظمة العفو الدولية في مارس/آذار 2025 لعقد اجتماع لمناقشة نتائجها الأولية والحصول على مزيد من المعلومات، رغم توجيهها عدة رسائل متابعة. كما رفضت الوزارة منح الإذن بزيارة مركز دائرة بو إسماعيل في غرب الجزائر العاصمة، رغم أن المنظمة تقدمت بعدة طلبات منذ جويلية/تموز 2024، مؤكدة أن المنظمات غير الحكومية لا يُسمح لها بدخول هذه المرافق.
ووفقًا لمعلومات جمعتها منظمة العفو الدولية من خبراء مستقلين ومنظمات مجتمع مدني تعمل في مجال العنف القائم على أساس النوع الاجتماعي، غالبًا ما تكون مراكز الإيواء مكتظة وتعاني من نقص الموارد. ومنذ عام 2010، أنشأت منظمات حقوق المرأة ما لا يقل عن خمسة مرافق للمساعدة في معالجة هذه الفجوات.
ونظرًا لمناخ الخوف وخشية الوصمة الاجتماعية، لم تتمكن منظمة العفو الدولية من إجراء مقابلات مع الناجيات من العنف اللواتي التمسن الحماية في مراكز الإيواء، وقد استندت في نتائجها إلى تحليل التشريعات، ومراجعة التصريحات الرسمية الحكومية، ومقابلات مع منظمات حقوق المرأة، ومقدمي خدمات، وغيرهم من الفاعلين في المجتمع المدني.
عوائق الوصول والقيود غير المبررة المفروضة على حرية التنقل
يخضع القبول في مراكز الإيواء الحكومية القائمة أيضًا لقرار من والي الولاية المعني أو من يمثله. وقد يعيق هذا النهج المركزي الوصول السريع والفعّال إلى الحماية، خصوصًا في الحالات الطارئة. كما أن صياغة المرسوم التي تقرن قبول النساء في مراكز الإيواء بوجودهن في “وضع صعب” وتنص على ضرورة تقييم “الاضطرابات النفسية للنساء والفتيات”، تثير القلق وينبغي تعديلها بما يتوافق مع المعايير الدولية لدعم الناجيات من العنف القائم على أساس النوع الاجتماعي.
ويحدد المرسوم التنفيذي رقم 15-212 الصادر في أوت/آب 2015، المعدّل للمرسوم رقم 04-182، أنه يجوز لمراكز الإيواء قبول النساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين 19 و65 عامًا لمدة سنة واحدة قابلة للتجديد، شريطة تقديم شهادة طبية وصورتين شخصيتين ونسخة من وثيقة الهوية. أما اللواتي لا يحملن وثائق هوية، فيجوز قبولهن لمدة أربعة أيام، شريطة خضوعهن لـ”تحقيق اجتماعي”. وتُشكل شروط القبول التقييدية هذه حاجزًا إضافيًا أمام وصول العديد من النساء إلى مراكز الإيواء، بمن فيهن ضحايا العنف الأسري، والمسنات، والمهاجرات غير النظاميات، فضلًا عن الفتيات والأطفال دون سن 19 عامًا.
وتشير مقابلات أجرتها منظمة العفو الدولية مع مدافعات عن حقوق المرأة وأشخاص آخرين لديهم معلومات عن الوضع في مراكز الإيواء، في الفترة بين 20 جانفي/كانون الثاني 2024 و10 فيفري/شباط 2025، إلى أن النساء المقيمات في مراكز الإيواء يواجهن قيودًا على حرية التنقل وعلى الوصول إلى وسائل اتصال خارجية. كما لا يُسمح لهن بإحضار أطفالهن للعيش معهن في مراكز الإيواء، ما يؤدي إلى تشتيت شمل الأسر ويفاقم هشاشة أوضاع النساء. وتنتهك مثل هذه القيود، ما لم تكن ضرورية للغاية ومتناسبة لضمان سلامة النساء، حق المرأة في حرية التنقل وفي الاستقلالية الشخصية، وكذلك الحق في حياة أسرية. ومن المرجح أن تعزز هذه القيود الشعور بالعزلة، ما قد يثني النساء عن التماس الإيواء أو يدفع المقيمات في المراكز إلى العودة إلى البيئات المسيئة.
كما يُعترف بالأطفال الذين شهدوا العنف كضحايا بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والمعايير الدولية، وتقع على عاتق الدول التزامات بحمايتهم، بما في ذلك توفير خدمات الدعم الكافية وإتاحة الوصول إلى مراكز إيواء ملائمة.
وقالت ديانا الطحاوي: “وفقًا للالتزامات الدولية للجزائر ولدستورها، يجب على السلطات أن تضمن أن تكون مراكز الإيواء المخصصة لضحايا العنف القائم على أساس النوع الاجتماعي متاحة بالكامل، وخالية من أي تمييز أو شروط دخول أو قيود غير ضرورية، وأن تتمكن النساء من طلب الحماية فيها من دون الاضطرار إلى الانفصال عن أطفالهن”.
صادقت الجزائر على عدة صكوك دولية تتعلق بحقوق المرأة، أبرزها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) عام 1996، والبروتوكول المتعلق بحقوق المرأة في إفريقيا الملحق بالميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب (بروتوكول مابوتو) عام 2004. وتُلزم هذه المعاهدات الدول بمنع العنف القائم على أساس النوع الاجتماعي، وحماية ضحايا العنف، وضمان وصولهن إلى خدمات الدعم المناسبة، بما في ذلك مراكز الإيواء، فضلًا عن اعتماد تدابير عملية ومتاحة تكفل لهن الحماية.
فجوات في المعلومات وغياب الوعي
ويبرز بحث منظمة العفو الدولية أيضًا كيف أن الفجوات في المعلومات المتاحة علنًا وضعف جهود التوعية التي تبذلها السلطات الجزائرية إلى تفاقم الصعوبات التي تواجهها الناجيات، وخاصة أولئك المقيمات في المناطق النائية، واللواتي لديهن إمكانية محدودة أو معدومة للوصول إلى الإنترنت، أو مستويات تعليمية متدنية، في الحصول على معلومات كافية بشأن كيفية الوصول إلى مراكز الإيواء وغيرها من خدمات الدعم المتاحة. وفي فيفري/شباط 2025، أعلنت الحكومة الجزائرية عن عدة تدابير، من بينها إنشاء خط دعم يعمل على مدار الساعة ومنصة إلكترونية تفاعلية لدعم ضحايا العنف ضد المرأة، فضلًا عن دليل قانوني يوضح حقوق الضحايا وسبل الانتصاف القانونية المتاحة لهن. ورحّبت منظمات حقوق المرأة بهذه الخطوات، لكنها نبّهت إلى أن كثيرًا من النساء لا يعلمن بهذه التدابير الجديدة، ما يحدّ من إمكانية الاستفادة منها ويقوض فعاليتها.
ويُلزم القانون الدولي الجزائر باتخاذ التدابير اللازمة لضمان وصول ضحايا العنف القائم على أساس النوع الاجتماعي إلى معلومات كافية وفي الوقت المناسب عن خدمات الدعم والتدابير القانونية المتاحة، وذلك بلغات وصيغ يسهل الوصول إليها.
كما رفضت السلطات إتاحة معلومات أساسية بشأن مراكز الإيواء لمنظمات المجتمع المدني التي تقدم المساعدة لضحايا العنف. ويشمل ذلك بيانات أساسية مثل الطاقة الاستيعابية لمراكز الإيواء، وعدد المستفيدات منها، والميزانيات المخصصة لها. إلى جانب هذا الافتقار إلى الشفافية، جمعت منظمة العفو الدولية معلومات تشير إلى أن الضحايا يواجهن حواجز عملية تحول دون الوصول إلى مراكز الإيواء، وأن الحصول على هذه الخدمات يعتمد في بعض الأحيان على تسهيلات غير رسمية. ويحول هذا الافتقار إلى الشفافية دون تمكين منظمات المجتمع المدني من إحالة الضحايا بفعالية إلى الخدمات العامة القائمة.
وقالت ديانا الطحاوي: “يُعد الوصول إلى المعلومات بالنسبة للضحايا أمرًا بالغ الأهمية، سواء لضمان فعالية نظام الحماية أو لمساءلة الحكومة عن الوفاء بالتزاماتها. ومن دون حد أدنى من البيانات الموثوقة المتاحة علنًا، يصعب تقييم ما إذا كانت احتياجات المستفيدات تُلبى بالفعل”.
يجب على السلطات الجزائرية أن توسع على وجه السرعة شبكة مراكز الإيواء الحالية بما يتماشى مع مرسوم عام 2004، بما يضمن تغطية وطنية حقيقية تشمل النساء في المناطق الريفية والنائية وأطفالهن
ديانا الطحاوي، منظمة العفو الدولية
“يجب على السلطات الجزائرية أن توسع على وجه السرعة شبكة مراكز الإيواء الحالية بما يتماشى مع مرسوم عام 2004، بما يضمن تغطية وطنية حقيقية تشمل النساء في المناطق الريفية والنائية وأطفالهن. كما يتعين عليها أن تتيح علنًا معلومات مفصلة عن هذه المراكز، وأن تسمح للمنظمات المستقلة بزيارتها لتقييم الأوضاع فيها. وينبغي لها أيضًا تخصيص موارد مالية وبشرية كافية لضمان تلبية احتياجات النساء المقيمات في مراكز الإيواء، وضمان وصول النساء والفتيات في مختلف أنحاء البلاد إلى معلومات كاملة بشأن كيفية الوصول إلى هذه المراكز. ويتوجب أن تنخرط في مشاورات حقيقية ومجدية مع منظمات حقوق الإنسان، بما فيها المنظمات المعنية بحقوق المرأة، والناجيات، وسائر الجهات المعنية الرئيسية، بما يضمن إنشاء نظام وطني فعال للحماية”.
خلفية
تقاعست السلطات الجزائرية عن إتاحة إحصاءات رسمية شاملة عن العنف القائم على أساس النوع الاجتماعي. وتقتصر المعلومات التي تتيحها المديرية العامة للأمن الوطني، ومركز الإعلام والتوثيق لحقوق الطفل والمرأة، والمعهد الوطني للصحة العمومية بخصوص العنف القائم على أساس النوع الاجتماعي، على معلومات جزئية لا توفر صورة شاملة عن الظاهرة. ومع ذلك، تشير البيانات المتاحة إلى ارتفاع عام في عدد حالات العنف ضد النساء المُبلغ عنها بين عامي 2023 و2024.
ووفقًا للمديرية العامة للأمن الوطني، سُجلت 7,500 شكوى تتعلق بالعنف ضد النساء في 2024، بزيادة قدرها 12.4% مقارنة بعام 2023. ويُعتقد أن الأرقام الفعلية أكثر بكثير، وخاصة فيما يتعلق بالعنف الجنسي، الذي لا يزال الإبلاغ عنه أقل بكثير مما تشير إليه تقديرات منظمات المجتمع المدني.
كما سجّلت البيانات الطبية الصادرة عن المعهد الوطني للصحة العمومية 4,004 حالات لناجيات من العنف الجسدي أو الجنسي في مصالح الطب الشرعي ومصالح الاستعجالات الطبية في خمس ولايات مختارة كعينة خلال عام 2023، ما يسلط الضوء على حجم العنف والقيود التي تعتري أنظمة جمع البيانات القائمة. ولا تتوفر أي إحصاءات رسمية بشأن جرائم قتل النساء، غير أن المجموعة الحقوقية الناشطة المعروفة باسم “لا لقتل النساء-الجزائر” (Féminicides Algérie) وثقت 37 حالة قتل للإناث على الأقل في 2025.
دعا المرسوم التنفيذي رقم 04-182 الصادر في 24 جوان/حزيران 2004، إلى إنشاء منظومة وطنية لمراكز إيواء النساء من ضحايا العنف. ومثّل ذلك تطورًا مهمًا في توسيع نطاق الحماية المتاحة لضحايا العنف من النساء، من خلال إرساء إطار قانوني وطني شامل لإنشاء مراكز الإيواء وتنظيمها وتسييرها على الصعيد الوطني.
ووضع المرسوم قائمة أولية بمراكز الإيواء، وخاصة في تيبازة وتلمسان، مع النص على أن إنشاء مراكز جديدة يتطلب ترخيصًا بموجب مرسوم تنفيذي. غير أن مركز الإيواء في تلمسان، الذي اكتمل بناؤه في 2018، لم يُفتتح قط، ولم تقدم السلطات أي تفسير لذلك حتى الآن. وفي مارس/آذار 2010، نص المرسوم رقم 10-96 على إنشاء مركز في مستغانم، شمال غربي الجزائر، وهو يعمل حاليًا. وفي أوت/آب 2015، عدّل مرسوم رابع، هو المرسوم التنفيذي 15-212 أهداف المراكز وشروط القبول فيها. وفي أوت/آب 2019، نصّ المرسوم التنفيذي رقم 19-214 على إنشاء مركز إيواء رابع في عنّابة، شمال شرقي الجزائر، وهو يعمل حاليًا.
تُلزم المادة 40 من الدستور الجزائري لعام 2020 الدولة بحماية المرأة من جميع أشكال العنف، وتكفل للضحايا، بموجب القانون، الوصول إلى مراكز الإيواء، وخدمات الرعاية، والمساعدة القانونية.
وفي أوت/آب 2025، سحبت الجزائر تحفظها على المادة 15(4) من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، المتعلقة بحرية التنقل واختيار محل الإقامة، لكنها أبقت على تحفظها على المواد 2 و16 و29 من الاتفاقية، بشأن أحكام تعتبرها متعارضة مع قانون الأسرة الجزائري، الذي يكرس نظامًا قانونيًا ينطوي على تمييز ضد المرأة، وخاصة في مسائل الزواج والطلاق والميراث وحضانة الأطفال. ولا تزال الأحكام القانونية المتعلقة بالعنف القائم على أساس النوع الاجتماعي والعنف الجنسي الواردة في قانون العقوبات الجزائري قاصرة إلى حد كبير، ولا تتماشى مع المعايير الدولية. ومن بين أوجه هذا القصور، أن تعريف الاغتصاب لا يتوافق مع المعايير الدولية، كما أن الاغتصاب الزوجي لا يعد جريمة.


