قالت منظمة العفو الدولية اليوم إنَّ الغارات الجوية الإسرائيلية على مواقع مرتبطة بمؤسسة القرض الحسن، وهي جمعية مالية غير ربحية مرتبطة بحزب الله، يجب التحقيق فيها باعتبارها جرائم حرب، إذ إنها لا تشكل أهدافًا عسكرية مشروعة بموجب القانون الدولي الإنساني.
منذ 2 مارس/آذار، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه سيستهدف جميع فروع القرض الحسن في مختلف أنحاء لبنان، وأعلن بحلول 10 مارس/آذار أنه قصف “نحو 30 مرفقًا” خلال الأسبوع الماضي. تقع العديد من مكاتب القرض الحسن داخل مبانٍ سكنية أو في أحياء مكتظة بالسكان. وقد أدت الهجمات التي استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت وجنوب لبنان والبقاع إلى تدمير مرافق يعتمد عليها عشرات الآلاف من المدنيين للحصول على خدمات مالية، بما في ذلك قروض لدفع الرسوم المدرسية ونفقات الرعاية الصحية وشراء مركبات للتنقل إلى العمل.
وقالت هبة مرايف، مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية: “مرة تلو الأخرى، يبدو أن الجيش الإسرائيلي يفترض أن مجرد وصف شيء ما بأنه مرتبط بحزب الله، سواء كانوا عاملين في مجال الرعاية الصحية أو منازل في قرى حدودية أو مؤسسات مالية، يجعله هدفًا مشروعًا؛ لكنّ ذلك غير صائب.
إن الادعاء وحده بوجود صلات مالية لا يجعل المدنيين أو المباني المدنية هدفًا عسكريًا. ويُعد التمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية أحد الركائز الأساسية للقانون الدولي الإنساني. فحزب الله جهة فاعلة عسكرية وسياسية في الوقت ذاته، إلا أنه يدير أيضًا مؤسسات خدمية وخيرية يعمل فيها مدنيون.
ولا يصبح المدنيون والأعيان المدنية أهدافًا مشروعة لمجرد ارتباطهم أو صلتهم المتصورة بجهة معينة. غير أن إسرائيل تدمر، مرةً أخرى، فروع مؤسسة مالية تمثل شريان حياة لآلاف الأشخاص الذين هم في أمسّ الحاجة إليه. تُعَدُّ هذه الهجمات غير مشروعة ويجب التحقيق فيها باعتبارها جرائم حرب”.
راجعت منظمة العفو الدولية مزاعم الجيش الإسرائيلي بشأن الهجمات، وتحققت من مقاطع مصورة لأربعة مواقع استُهدفت في 2 و9 مارس/آذار، كما أجرت مقابلات مع 12 شخصًا من خلفيات متنوعة استفادوا من خدمات القرض الحسن المالية. وقد استُخدمت أسماء مستعارة في هذا البيان حفاظًا على خصوصية الأشخاص وأمنهم.
استهداف البنية التحتية المدنية بذريعة مزاعم “إرهابية” مبهمة
تُعد مؤسسة القرض الحسن إحدى أبرز الجهات التي توفّر قروضًا صغيرة في لبنان، وقد عملت بموجب ترخيص مُنح لها كمنظمة غير حكومية من الحكومة اللبنانية منذ عام 1987. ولا تملك ترخيصًا من مصرف لبنان المركزي للعمل كمؤسسة مالية. وهي تخضع لعقوبات أمريكية منذ عام 2007 استنادًا لصلتها بحزب الله. في يوليو/تموز 2025، أصدر مصرف لبنان تعليمات إلى المؤسسات المالية المرخصة بوقف جميع التعاملات مع المؤسسات المالية غير المرخصة من قبله والخاضعة لعقوبات خارجية، بما فيها القرض الحسن.
يكفل القانون الدولي الإنساني حماية الأعيان المدنية، بما في ذلك المؤسسات المالية، ولا يجيز استهداف سوى الأهداف العسكرية بشكل مشروع. وتقتصر الأهداف العسكرية حصرًا على تلك التي تساهم في العمل العسكري بشكل فعال، والتي يوفر تدميرها أو الاستيلاء عليها أو تحييدها، في الظروف السائدة في ذلك الوقت، ميزة عسكرية أكيدة.
ولم تعثر منظمة العفو الدولية على أي دليل من جانب السلطات الإسرائيلية يُظهر أن فروع هذه المؤسسة المالية تستوفي هذه المعايير.
لا يصبح المدنيون والأعيان المدنية أهدافًا مشروعة لمجرد ارتباطهم أو صلتهم المتصورة بجهة معينة.
هبة مرايف، منظمة العفو الدولية
وفي البيانات التي أعلن فيها الجيش الإسرائيلي عن الهجمات، لم يدّعِ أن هذه المكاتب كانت تُستخدم حاليًا للمساهمة المباشرة في العمل العسكري. ففي 2 مارس/آذار، كتب المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي باللغة العربية على منصة إكس أن مؤسسة القرض الحسن “تستخدم أموال المدنيين المودعة لديها لتقديم خدمات مالية لحزب الله الإرهابي ولمخربيه لأغراض إرهابية”. وفي 9 مارس/آذار، وصف المتحدث المؤسسة بأنها “بنى تحتية إرهابية” و”عنصر مركزي في تمويل نشاط حزب الله الإرهابي وتضر بالاقتصاد اللبناني خدمةً لمصالح إيرانية”.
حتى لو كانت مزاعم السلطات الإسرائيلية صحيحة بأن حزب الله يستخدم القرض الحسن لتقديم خدمات مالية، فإن ذلك لا يسلب هذه المباني وضعها المحمي بموجب القانون الدولي الإنساني.
وأضافت هبة مرايف: “ينبغي للدول أن تصرّ على أنه من غير المشروع شنّ هجمات على المؤسسات المالية؛ فلا يشكل الارتباط أو الدعم المالي سببًا كافيًا لاستهدافها. إن هذه الهجمات مقلقة على نحو خاص لأنها تخلّف عواقب مدمرة على البنية التحتية المدنية وسبل عيش المدنيين”.
وهذه هي الجولة الثالثة من الهجمات العسكرية الإسرائيلية على القرض الحسن. ففي تصعيد عام 2024، أعلن الجيش الإسرائيلي في 21 أكتوبر/تشرين الأول أنه استهدف “نحو 30” فرعًا للمؤسسة في بيروت وضاحيتها الجنوبية وجنوب لبنان والبقاع. وقد دعت منظمة العفو الدولية حينها إلى التحقيق في هذه الهجمات باعتبارها جرائم حرب.
في ديسمبر/كانون الأول 2024، بعد إعلان وقف إطلاق النار، أعلنت المؤسسة إعادة فتح 16 فرعًا في أنحاء لبنان. وبعد الجولة الأخيرة من الهجمات، بقيت بعض المباني قائمة لكن الفروع تعطّل عملُها.
وتابعت هبة مرايف: “على مدى أكثر من عامين، نفذ الجيش الإسرائيلي أعمالًا غير مشروعة وجسيمة في لبنان مع الإفلات من العقاب، بما في ذلك جولات متعددة من الهجمات على أعيان مدنية. وينبغي للدول ذات النفوذ على إسرائيل أن تتحرك لضمان المساءلة حتى نضع حدًا لهذه الحلقة المدمرة من الانتهاكات”.
هجمات متعددة مع وبدون إنذارات مسبقة
نفذت إسرائيل هجماتها على فروع القرض الحسن في جولتين رئيسيتين في 2 و9 مارس/آذار.
في 2 مارس/آذار 2026، عند نحو الساعة 1:55 بعد الظهر، أعلن متحدث باسم الجيش الإسرائيلي أن القوات الإسرائيلية ستهاجم “بنى تحتية تابعة لجمعية القرض الحسن التابعة لحزب الله”، وأمر السكان المقيمين على بعد 300 متر من 18 موقعًا محددًا بالإخلاء فورًا. وبين الساعة 1:55 و2:30 بعد الظهر، نشر المتحدث سلسلة خرائط حددت كل موقع من المواقع المستهدفة في لبنان، أعقبها نشر صورة مركبة تُظهر المواقع الـ 18 جميعها.
وصدرَت إنذاراتمنفصلة بالإخلاء لبرج البراجنة في الضاحية الجنوبية لبيروت؛ ولثلاثة مواقع في اللبوة وعين بورضاي وحوش الغنم في منطقة بعلبك؛ ولمواقع أخرى في بدنايل والهرمل. ثم أعقب ذلك منشورات إضافية وجهت إنذارات لمواقع في صور ومشغرة ودير قانون النهر؛ ثم لمواقع في بنت جبيل وقانا ومعروب والنبطية التحتا؛ وأخيرًا لمواقع في دير الزهراني والسلطانية وتول وحبوش.
كنت آخذ قروضًا لتغطية الرسوم المدرسية لأطفالي وأسدد نحو 50 دولارًا شهريًا. وعندما تظهر مصاريف جديدة، كنت أنهي قرضًا وآخذ آخر، كما كانت تفعل كثير من العائلات لتأمين تكاليف تعليم أطفالها.
“أم علي” (55 عامًا)، التي اعتمدت على القرض الحسن لأكثر من 27 عامًا
وقبل الساعة الرابعة عصرًا بقليل في اليوم نفسه، بدأت القوات الإسرائيلية قصف هذه المواقع. وعند الساعة 7:38 مساءً، أعلن المتحدث انتهاء العملية، وقال إن الضربات نُفذت بسبب الأنشطة المالية للقرض الحسن الداعمة لحزب الله.
وتُظهر مقاطع مصورة تحقق منها مختبر الأدلة التابع لمنظمة العفو الدولية لحظة سقوط ذخيرة أُلقيت جوًا على مبنى من ثلاثة طوابق وسط منطقة سكنية وتجارية في مدينة صور في 2 مارس/آذار. وتُظهر مقاطع فيديو لآثار الهجوم أن المبنى المدمر كان يقع مقابل مركز تجاري تعرضت عدة متاجر فيه لأضرار جسيمة، بما في ذلك متجر متعدد الأقسام ومطاعم وصيدلية.
وعلى بعد أقل من كيلومترين، دُمّر أيضًا مبنى من 11 طابقًا كان يضم فرعًا آخر للقرض الحسن. وتُظهر مقاطع مصورة تحققت منها المنظمة كومةً من الأنقاض، إضافةً إلى أضرار لحقت بمبانٍ سكنية قريبة. وكان المبنى المدمر يقع مقابل مدرسة ابتدائية.
منذ توجيه أمر الإخلاء الجماعي لأربعة مناطق رئيسية في الضاحية الجنوبية لبيروت في 5 مارس/آذار – أُعيد تأكيده مرارًا، بما في ذلك في اليوم نفسه وفي 7 مارس/آذار – نفذت القوات الإسرائيلية ضربات متكررة على عدة مناطق في الضاحية الجنوبية ليلًا ونهارًا من دون إصدار إنذارات محددة.
وبعد أسبوع، في 9 مارس/آذار عند الساعة 8:49 صباحًا، أعلن متحدث باسم الجيش الإسرائيلي عن ضربات إضافية على فروع القرض الحسن، محذرًا هذه المرة من ضربات في الضاحية الجنوبية لبيروت. وعلى خلاف الإنذارات المفصّلة في 2 مارس/آذار، أشار الإنذار بتاريخ 9 مارس/آذار فقط إلى “البنى التحتية الإرهابية التابعة لجمعية القرض الحسن” في الضاحية الجنوبية لبيروت، بدون تحديد مواقع بعينها أو تقديم خريطة.
وبعد ساعتين من هذا الإنذار الفضفاض الصادر في 9 مارس/آذار، عند الساعة 10:50 صباحًا، شنت القوات الإسرائيلية موجة أخرى من الغارات الجوية على الضاحية الجنوبية استهدفت أكثر من عشرة مبانٍ، بما فيها مبانٍ كانت تضم فروعًا للقرض الحسن.
شريان مالي لمجتمع متنوع
لطالما استخدم كثير من الناس في لبنان مؤسسات خارج النظام المصرفي الرسمي، بما في ذلك القرض الحسن، للحصول على مجموعة متنوعة من الخدمات المالية. وبعد الانهيار المالي والاقتصادي في عام 2019، رفضت المصارف اللبنانية مرارًا منح الناس إمكانية الوصول الكامل إلى مدخراتهم، أو أغلقت أبوابها ببساطة.
قالت “أم علي” (55 عامًا) لمنظمة العفو الدولية إنها اعتمدت على القرض الحسن لأكثر من 27 عامًا: “كنت آخذ قروضًا لتغطية الرسوم المدرسية لأطفالي وأسدد نحو 50 دولارًا شهريًا. وعندما تظهر مصاريف جديدة، كنت أنهي قرضًا وآخذ آخر، كما كانت تفعل كثير من العائلات لتأمين تكاليف تعليم أطفالها”. وقالت “ميادة”، وهي امرأة في الخمسينيات من عمرها، إنها تستفيد من القرض الحسن منذ أكثر من ثماني سنوات. وقالت ابنتها لمنظمة العفو الدولية: “أخي أيضًا رهن ذهب زوجته لدى القرض الحسن. ينتشر الكلام بالسوء عن مؤسسة القرض الآن بسبب الوضع السياسي، لكننا لم نخسر في تعاملاتنا المالية معهم أبدًا، بخلاف ما حدث مع المصارف”.
وقالت “نهاد” (61 عامًا) إنها استدانت عقدًا من ابنة خالها ورهنته لدى القرض الحسن في عام 2023 من أجل شراء محرك لآلة الخياطة الخاصة بها، وهو مصدر الدخل الوحيد لأسرتها. فأوضحت: “من دون هذا المال لما تمكنت من كسب رزقي، لأنني لم أكن قادرة على شراء المحرك الذي يبلغ ثمنه 250 دولارًا أمريكيًا بمفردي. إن فرص عمل في منطقتي شبه معدومة، خصوصًا لكبار السن”.
إضافة إلى ذلك، استخدم أشخاص من خارج الطائفة الشيعية خدمات القرض الحسن. فقد قالت “ماريا” (29 عامًا)، من منطقة مسيحية من الطبقة الوسطى، إنها استفادت من خدمات المؤسسة لأول مرة في عام 2023. وأوضحت أنها رهنت ثلاث سلاسل ذهبية مكسورة لدى القرض الحسن وحصلت على قرض صغير: “كنا نفترض أننا لا نستطيع الاستفادة من القرض الحسن. ولم أدرك إلا لاحقًا أن هذا الخيار متاح للجميع”.
ومثلها، قال رجل يبلغ 61 عامًا من صيدا لمنظمة العفو الدولية إنه “لم يكتشف إلا مؤخرًا” أنه يستطيع الاستفادة من خدمات القرض الحسن “على الرغم من كونه سنيًا”. وأضاف أنه يفضل استخدام القرض الحسن لأن قروضه من دون فوائد (الفائدة محرّمة في الإسلام).
خلفية
في 2 مارس/آذار 2026، شنّ حزب الله سلسلة من الهجمات على إسرائيل ردًا على مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في أعقاب هجوم أمريكي-إسرائيلي على إيران. وأعلن الجيش الإسرائيلي لاحقًا على منصة إكس أن قواته تضرب أهدافًا لحزب الله في لبنان ضمن عملية “زئير الأسد”. وفي الأيام التالية، نفذت إسرائيل مئات الضربات في مختلف أنحاء لبنان وأصدرت سلسلة من أوامر الإخلاء الجماعي.
وواصل حزب الله إطلاق الصواريخ على إسرائيل يوميًا. في عام 2024، خلصت منظمة العفو الدولية إلى أن حزب الله استخدم مرارًا وتكرارًا أسلحة غير دقيقة بطبيعتها في هجماته على إسرائيل.
وتشير متابعة منظمة العفو الدولية لوسائل الإعلام الإسرائيلية وقنوات تلغرام منذ 28 فبراير/شباط 2026، إلى أنه جرى الإبلاغ عن ما لا يقل عن 12 ضحية مدنية في إسرائيل نتيجة هجمات من إيران.
حتى 11 مارس/آذار، أفادت وحدة إدارة مخاطر الكوارث في لبنان بمقتل 634 شخصًا، بينهم أطفال، ونزوح 816,700 شخص.


