كان هجوم الولايات المتحدة الأمريكية على فنزويلا في 3 يناير/كانون الثاني استخدامًا غير قانوني للقوة بموجب ميثاق الأمم المتحدة، مما يزيد من تهديد النظام الدولي القائم على القواعد. وفي سياق متصل، حذّرت منظمة العفو الدولية اليوم من أن الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها حكومة مادورو ضد الشعب الفنزويلي لا تزال تمرّ دون محاسبة أو ضمانات بعدم التكرار.
قالت أنياس كالامار الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية: “تشكّل العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا انتهاكًا واضحًا لميثاق الأمم المتحدة، وهو عمل عدواني يعرّض المدنيين للخطر ويقوّض الضمانات الأساسية للقانون الدولي. ولم يكن استخدام إدارة ترامب للقوة غير قانوني فحسب، بل قد يشجع دولًا أخرى على ارتكاب أفعال غير مشروعة وينذر بإقدام الولايات المتحدة الأمريكية على أعمال مماثلة في المستقبل”.
وكما ذكر الرئيس ترامب نفسه، فإن السيطرة على الموارد والنفوذ الجيوسياسي في المنطقة كان الدافع الرئيسي وراء هجوم 3 يناير/كانون الثاني. ومنذ ذلك الحين، أعلن صراحةً أنه يمتلك السلطة لتوجيه السياسة في فنزويلا، حتى في الوقت الذي تواصل فيه الرئيسة بالوكالة ديلسي رودريغيز خطابها المتحدّي بينما تتعاون فعليًا مع الولايات المتحدة الأمريكية. وفي خضم الضبابية الناجمة عن الوضع الداخلي المضطرب وبقاء الجهاز القمعي للدولة، يواجه الشعب الفنزويلي تدخلًا أمريكيًا متزايدًا، وتقاعسًا عن تقديم حلول شاملة ودائمة لحقوق الإنسان، وتهديدات بالمزيد من الأذى لحقوقهم وأمنهم.
تدين منظمة العفو الدولية بشكل لا لبس فيه الاستخدام غير القانوني للقوة من قبل الولايات المتحدة والجرائم المتعددة التي ترتكبها السلطات الفنزويلية بحق الشعب الفنزويلي.
أنياس كالامار، الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية
وقالت أنياس كالامار: “يستمر الإفلات من العقاب على الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها السلطات الفنزويلية في عهد مادورو لأكثر من عقد من الزمن، حتى في ظل حكومة الرئيسة بالوكالة ديلسي رودريغيز. وبالرغم من إطلاق سراح السجناء، لم تُتخذ أي خطوات مجدية نحو تحقيق العدالة، ولا توجد ضمانات بعدم التكرار. وفي الوقت نفسه، تستمر التهديدات على الحيز المدني، ولا يزال المدافعون عن حقوق الإنسان ومنظماتهم يواجهون خطر الاضطهاد والتجريم”.
“دعونا نكون واضحين: تدين منظمة العفو الدولية بشكل لا لبس فيه الاستخدام غير القانوني للقوة من قبل الولايات المتحدة والجرائم المتعددة التي ترتكبها السلطات الفنزويلية بحق الشعب الفنزويلي. لكن يجب ألا تؤثر إدانتنا للعمل العسكري غير القانوني الذي قامت به الولايات المتحدة بأي حال من الأحوال على الحاجة الملحة للمساءلة والتعويض عن سلسلة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها الحكومة الفنزويلية”.
“الخطأ لا يعالج بالخطأ، فلا بد من المساءلة والتعويض الكامل عن هجوم إدارة ترامب غير القانوني على فنزويلا، وعن الجرائم المشمولة بالقانون الدولي التي ارتكبتها السلطات الفنزويلية”.
إن تهديدات الرئيس ترامب الصريحة بتصعيد العمل العسكري بشكل أحادي في أماكن أخرى، بالإضافة إلى الخطاب حول “إدارة” فنزويلا والسيطرة على نفطها، تُسرّع من تفكيك قواعد القانون الدولي الموضوعة لحماية المدنيين ومنع نشوب النزاعات، ما يهدد حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم. فمنذ مهاجمة فنزويلا، هدد الرئيس ترامب باستخدام القوة العسكرية ضد كولومبيا وكوبا وغرينلاند وإيران والمكسيك. وفي الوقت نفسه، تواصل الصين أعمالها التهديدية ضد تايوان والدول المجاورة لها، وتواصل روسيا عدوانها على أوكرانيا وقد تجاوزت المجال الجوي لدول حلف الناتو.
“مما لا شك فيه أن هذه الخطوات محسوبة ومدروسة لترسيخ نهج “الغلبة بالقوة” في الشؤون الخارجية وتهميش ميثاق الأمم المتحدة واتفاقيات جنيف ومعاهدات حقوق الإنسان وغيرها من ركائز النظام الدولي. ينبغي للدول الأخرى أن تتصدى لهذه الجهود المتهورة الرامية إلى تقويض القواعد العالمية الهادفة إلى الحفاظ على السلام وحماية المدنيين في النزاعات وضمان حقوق الإنسان لجميع الناس في كل مكان”.
لماذا يعتبر هذا الهجوم استخدامًا غير مشروع للقوة وعملًا عدوانيًا؟
لا يمكن أن يكون القانون الدولي أكثر وضوحًا: تحظر المادة 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة؛ أما المادة 2(3) فتنص على التسوية السلمية للنزاعات. كما يقنن إعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية (الجمعية العامة للأمم المتحدة 2625) حظر التدخل المسلح. ويعرّف قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3314 العدوان، حيث يشير إلى أن أول استخدام للقوة المسلحة من قبل دولة ما في انتهاك للميثاق هو دليل أولي على ارتكاب عمل عدواني، بما في ذلك القصف أو الهجوم على القوات المسلحة لدولة أخرى. وقد انطوت عملية 3 يناير/كانون الثاني على تلك الأساليب تحديدًا.
فقد بدأت الحكومة الأمريكية تصعيدها العسكري بإعدامات خارج نطاق القضاء في المياه الدولية، ونفّذت عملية اعتقال نيكولاس مادورو بذريعة مكافحة تهريب المخدرات، لتكشف دون أي غموض عن دافعها الحقيقي وهو السيطرة على الموارد الطبيعية لفنزويلا. ولكن بعيدًا عن التبريرات الرسمية المتغيرة باستمرار، فإن الحقائق لا لبس فيها وتشكل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي. وحتى لو قُبلت ادعاءات الحكومة الأمريكية بمكافحة الاتجار بالمخدرات، فإن ممارسة الولاية القضائية لإنفاذ القانون على أراضي دولة أخرى دون موافقتها، يبقى غير قانوني وهو انتهاك للسيادة معترف به منذ زمن طويل في القانون الدولي. كما أن مزاعم الاتجار بالمخدرات ليست “هجومًا مسلحًا” يستدعي الدفاع عن النفس بموجب المادة 51 من الميثاق.
وبالمثل، أكدت اللجنة القضائية للدول الأمريكية على أن الاستثناءات الوحيدة لحظر استخدام القوة للدول الأعضاء في منظمة الدول الأمريكية هي الدفاع عن النفس وتفويض مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وهي قيود هدفها بالتحديد الحفاظ على السلام وحقوق الإنسان في المنطقة.
لا يمكن لأي توصيف أن يحوّل القصف إلى ‘إنفاذ للقانون’، فالحقائق، لا الخطاب السياسي، هي التي تحدد القانون الواجب التطبيق.
أنياس كالامار، الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية
من الواضح أن الهجوم الأمريكي يستوفي ثلاثة من الأفعال السبعة المحظورة التي يحددها القرار 3314 على أنها تشكل أعمالًا عدوانية: “قيام القوات المسلحة لدولة ما بغزو إقليم دولة أخرى أو الهجوم عليه”؛ و”قيام القوات المسلحة لدولة ما بقذف إقليم دولة أخرى بالقنابل أو استعمال دولة ما لأي أسلحة ضد إقليم دولة أخرى”؛ و”قيام القوات المسلحة لدولة ما بمهاجمة القوات المسلحة البرية أو البحرية أو الجوية أو الأسطولين التجاريين البحري والجوي لدولة أخرى”.
يسري القانون الدولي لحقوق الإنسان في جميع الأوقات. ويوضح التعليق العام رقم 36 الصادر عن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أن أعمال العدوان التي تؤدي إلى الحرمان من الحياة تنتهك المادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بحكم الواقع، وأن عدم حل النزاعات بالوسائل السلمية قد ينتهك واجب حماية الحياة.
قالت أنياس كالامار: “لا يمكن لأي توصيف أن يحوّل القصف إلى ‘إنفاذ للقانون’، فالحقائق، لا الخطاب السياسي، هي التي تحدد القانون الواجب التطبيق. وبدون تفويض من مجلس الأمن أو حالة حقيقية للدفاع عن النفس، فإن استخدام الولايات المتحدة للقوة من جانب واحد ضد فنزويلا كان غير قانوني، ويمثّل عملًا عدوانيًا. كما أن الحق في الحياة لا يُعلّق عندما تختار حكومة ما تجاهل ميثاق الأمم المتحدة”.
داخل فنزويلا: منظومة قمع لم تتوقف في 3 يناير/كانون الثاني
على مدار سنوات، وثّقت منظمة العفو الدولية وتحقيقات دولية متعددة سياسة القمع الممنهجة، بما في ذلك الاعتقالات التعسفية وحالات الاختفاء القسري والإعدام خارج نطاق القضاء والتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة، والتي تستهدف بشكل خاص المدافعين عن حقوق الإنسان والمعارضين السياسيين والمحتجين والصحفيين ومنتقدي الحكومة الفعليين أو المفترضين.
وفي عام 2019، أثبتت منظمة العفو الدولية وجود هجوم واسع النطاق وممنهج من قبل السلطات الفنزويلية في عهد نيكولاس مادورو ضد السكان المدنيين، ووجدت أن جرائم ضد الإنسانية قد ارتُكبت منذ عام 2014 على الأقل. ومنذ ذلك الحين، نشرت المنظمة المزيد من الأدلة على الاضطهاد والاختفاء القسري بالإضافة إلى جرائم أخرى ضد الإنسانية، بينما دعت إلى إجراء تحقيقات من قبل بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق بشأن فنزويلا ومكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية ودعمت هذه التحقيقات، بالإضافة إلى التحقيقات الجنائية الجارية بموجب مبدأ الولاية القضائية العالمية في الأرجنتين.
قالت أنياس كالامار: “الجرائم ضد الإنسانية لا تنتهي بعزل مادورو. فالضحايا الفنزويليون والناجون وعائلاتهم لا يزالون يعانون ندوبًا جسدية ونفسية، ولا يزال مصير ومكان العديد ممن تعرضوا للإخفاء القسري مجهولًا. ولا تزال منظومة الدولة المسؤولة عن تلك الجرائم قائمة وبقوة ومدعومة الآن بتدخل السلطات الأمريكية”.
خلال الأيام الأولى من حكومة ديلسي رودريغيز المؤقتة، واصلت قوات الأمن وأجهزة الاستخبارات (جهاز الاستخبارات الوطني البوليفاري، والمديرية العامة لمكافحة التجسس العسكري) والجماعات المسلحة الموالية للحكومة احتجاز الأشخاص ومراقبة المجتمعات المحلية وترهيب المشتبه في دعمهم لهجوم 3 يناير/كانون الثاني، بما في ذلك عن طريق إقامة نقاط تفتيش وإجبار الأفراد على فتح هواتفهم لإجراء عمليات تفتيش تعسفية. ووردت تقارير عن اعتقالات تعسفية -من بينها اعتقال 14 صحفيًا أثناء تغطيتهم لمؤتمر صحفي رسمي وقد أُطلق سراحهم فيما بعد- وتهديدات وأعمال انتقامية، بما يعكس الأنماط الموثقة جيدًا في العقد الماضي.
وفي الآونة الأخيرة، وبعد أن أعلنت حكومة رودريغيز عن عمليات الإفراج الجماعي في 8 يناير/كانون الثاني، أُفرج عن مئات الأشخاص الذين سُجنوا ظلمًا. وفي 31 يناير/كانون الثاني، أعلنت الرئيسة بالوكالة ديلسي رودريغيز أيضًا عن قانون عفو عام، يستهدف جميع المتهمين بارتكاب جرائم منذ عام 1999، وعن إغلاق مركز الاحتجاز الرئيسي “إل هيليكويد”، الذي من المفترض تحويله إلى مركز اجتماعي.
إن أفعال الإدارة الأمريكية في الوقت الحالي تجعل أي إجراءات قضائية محتملة بحق بنيكولاس مادورو أكثر صعوبة وتعقيدًا.
أنياس كالامار، الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية
وفي حين أن هذه الإجراءات المعلن عنها هي موضع ترحيب، فإن قانون العفو في حد ذاته ليس كافيًا إذا لم تكن هناك ضمانات بعدم التكرار، مثل إلغاء القوانين وتفكيك أجهزة الدولة التي سهّلت الاعتقالات التعسفية وغيرها من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. وقد شهدت منظمة العفو الدولية سابقًا كيف تُفرج السلطات عن المحتجزين كبادرة حسن نية، لتتبع ذلك بفترة وجيزة موجات جديدة من الاعتقالات. وبالإضافة إلى ذلك، ليس من الواضح ما إذا كان قانون العفو قد يمتد ليشمل وكلاء الدولة، ما قد يحوّلها إلى آلية للإفلات من العقاب، وهو ما لا يجب السماح به.
وبالمثل، فإن إغلاق سجن إل هيليكويد غير كافٍ أبدًا لإنهاء الجرائم الخطيرة التي ارتكبت فيه. فقد وثّقت المنظمات غير الحكومية المحلية عمليات احتجاز تعسفي بدوافع سياسية في عشرات المرافق الأخرى في جميع أنحاء البلاد، وهناك أدلة على وجود مراكز احتجاز سرية تعمل خارج أي إطار قانوني.
وأخيرًا، لا تزال القوانين التقييدية التي تمنع منظمات المجتمع المدني من ممارسة حقوقها في الدفاع عن حقوق الإنسان بشكل كامل قائمة على حالها. ولا تزال هذه العوائق القانونية تحدّ بشدة من قدرة الضحايا وأقاربهم والنشطاء والمنظمات على السعي لتحقيق العدالة والمساءلة.
قالت أنياس كالامار: “يجب على السلطات في فنزويلا أن تفرج فورًا عن جميع الأفراد المحتجزين تعسفيًا، دون استثناء، وأن تضع حدًا لحالات الاختفاء القسري والتعذيب على الفور، وأن تضمن الحق في حرية التعبير وتكوين الجمعيات والتجمع السلمي. فكل ما هو دون ذلك يكرس المزيد من الانتهاكات ويرسّخ الإفلات من العقاب ويحرم الضحايا من حقهم في معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة والحصول على التعويضات”.
في عام 2020، ذكر مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية أنه يعتقد أن هناك “أساسًا معقولًا لاستنتاج” أن جرائم ضد الإنسانية قد ارتُكبت في فنزويلا منذ أبريل/نيسان 2017 على الأقل، وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2021، فتح المدعي العام تحقيقًا رسميًا. ومنذ ذلك الحين، أذنت الدائرة التمهيدية الأولى ودائرة الاستئناف في المحكمة الجنائية الدولية بمواصلة التحقيق على الرغم من محاولات فنزويلا وقفه، مشيرةً إلى أن السلطات المحلية لم تقدم إجراءات حقيقية فيما يتعلق بفئات الجناة نفسها، أي كبار المسؤولين وأفراد قوات الأمن. وبالنظر إلى هذا النمط المتسق من النتائج، بما في ذلك التسلسل القيادي الموثق، والدور المركزي للرئاسة في جهاز الأمن والاستخبارات الفنزويلي، وحجم الانتهاكات وطبيعتها الممنهجة، فإن نيكولاس مادورو هو من بين الأفراد الذين من المرجح أن يقعوا ضمن نطاق التحقيق والملاحقة القضائية للمحكمة الجنائية الدولية إذا ما استوفت الأدلة معايير نظام روما الأساسي للمسؤولية الجنائية الفردية.
قالت أنياس كالامار: “للضحايا الفنزويليين الحق في معرفة الحقيقة، وتحقيق العدالة، والحصول على التعويض عن الجرائم ضد الإنسانية التي عانوا منها. ونحن ندعو المحكمة الجنائية الدولية إلى الإسراع في عملها، بما في ذلك إصدار مذكرات اعتقال عند استيفاء معايير الأدلة، فتأخير العدالة هو حرمان من العدالة، لا سيما للفنزويليين الذين انتظروا سنوات طويلة ليُسمع صوتهم. غير أن أفعال الإدارة الأمريكية في الوقت الحالي تجعل أي إجراءات قضائية محتملة بحق بنيكولاس مادورو أكثر صعوبة وتعقيدًا”.
سابقة خطيرة تتجاوز فنزويلا
منذ تنفيذ الهجوم، أكد الرئيس ترامب فعليًا أنه لا يعتبر نفسه ملزمًا بالقانون الدولي، وأن نصف الكرة الغربي منطقة يحق للولايات المتحدة الهيمنة عليها، حتى باللجوء إلى القوة المسلحة حسبما تراه مناسبًا؛ وهو موقف يشار إليه بشكل متزايد باسم “عقيدة دونرو”. وليست هذه المرة الأولى التي تستخدم فيها الولايات المتحدة القوة بشكل أحادي، ولكنها قد تكون المرة الأولى التي تحاول فيها تبرير أفعالها بطريقة تتعارض بشكل صارخ مع مبادئ القانون الدولي. وبدلًا من الالتزام بالقانون الدولي، يبدو أن الرئيس ترامب وكبار مساعديه مصممون على إعلان أنهم غير ملزمين بالإطار القانوني الدولي الذي ساهمت الولايات المتحدة نفسها في وضعه بعد الحرب العالمية الثانية.
الصمت اليوم سيتحول إلى إذن غدًا، لذا على الدول أن تحدد موقفًا واضحًا الآن.
أنياس كالامار، الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية
كما تتوج ضربة 3 يناير/كانون الثاني أشهُر من الضربات الأمريكية القاتلة على قوارب المخدرات المزعومة في منطقة البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ، وهو سلوك ندّدت به منظمة العفو الدولية والعديد من الخبراء القانونيين باعتباره يشكّل عمليات إعدام خارج نطاق القضاء. وقد نُفّذت ضربة إضافية واحدة على الأقل منذ وقوع العدوان. وقد أدى حشد الأصول البحرية الأمريكية في منطقة البحر الكاريبي والنية المعلنة لاستخدام القوة ضد الجماعات الإجرامية إلى مزيد من الخلط بين إنفاذ القانون والحرب، ما غذّى المخاوف من التصعيد الإقليمي.
ما يجب أن يحدث الآن جزء لا يتجزأ من مطالبنا بالحماية وتحقيق العدالة
يجب على جميع الدول إعادة تأكيد أولوية ميثاق الأمم المتحدة والإجماع العالمي على الطابع الإلزامي للحظر المفروض على استخدام القوة في العلاقات الدولية. وعلى الحكومات في المحافل متعددة الأطراف والتعاملات الثنائية أن ترفض تطبيع الاستخدامات الأحادية للقوة كأداة للسياسة، وأن تعطي الأولوية لحماية المدنيين وحقوق الإنسان.
قالت أنياس كالامار: “الصمت اليوم سيتحول إلى إذن في الغد، لذا على الدول أن تحدد موقفًا واضحًا الآن. فمعاناة المتضررين من القوة غير المشروعة ومعاناة أولئك الذين يتعرضون للمعاملة الوحشية من قبل سلطاتهم ليستا مأساتين متعارضتين. والمسار الوحيد الذي يحترم كرامتهم هو المسار المتأصل في القانون: الامتثال للقانون الدولي، وحماية المدنيين، والتحقيق في الانتهاكات، وضمان العدالة”.
يجب على الولايات المتحدة أن توقف الضربات القاتلة ضد قوارب المخدرات المزعومة وأي استخدام آخر للقوة أو التهديد باستخدامها ضد فنزويلا. وفي حال وجود أدلة موثوقة تُظهر مقتل مدنيين أو عمليات قتل غير مشروع، يجب عليها أن تحقق بشكل فوري ومستقل ونزيه وأن تقدم تعويضات. إن هذه الخطوات ضرورية ليس بموجب القانون الدولي فقط، ولكن أيضًا لاستعادة الحد الأدنى من الثقة بأن المدنيين ليسوا ورقة مساومة في مناورة جيوسياسية. وعلى السلطات الفنزويلية أن تضع حدًا للجرائم ضد الإنسانية: ضمان الحق في الحياة والإفراج عن جميع الذين لا يزالون محتجزين تعسفيًا؛ ووقف حالات الاختفاء القسري والتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة؛ وتفكيك الجماعات المسلحة الموالية للحكومة، المسؤولة أيضًا عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان؛ وضمان الحق في حرية التعبير وتكوين الجمعيات والمشاركة السياسية والتجمع السلمي، بما في ذلك عن طريق إلغاء القوانين التي سميت بـ”تشريعات مناهضة للمنظمات غير الحكومية”. كما يجب على السلطات تفكيك سياسة القمع ككل ووضع ضمانات لعدم التكرار، بدءًا من تعزيز استقلالية القضاء والمؤسسات الأخرى داخل الدولة. ويجب محاسبة مرتكبي هذه الجرائم وإعمال حقوق الضحايا في تحقيق العدالة والحصول على التعويض وضمانات عدم التكرار، فلا يمكن أن يكون السياق الحالي ذريعة لترسيخ منظومة القمع.


